2010-01-14
في الأسبوع قبل الماضي وفي أشهر برنامج في أمريكا (ستون دقيقة) في شبكة "سي بي اس (CBS's "60 Minutes)، جاء أشرس هجوم على لسان الرئيس الأميركي باراك اوباما حين أطلق مصطلح "القطط السمينة" (Fat Cat) على الذين يحصلون على مكافآت مصرفية كبيرة، معربا عن غضبه من اعتزام المصارف التي أنقذتها الحكومة بأموال دافعي الضرائب منح مكافآت ضخمة لموظفيها بينما يعاني المواطنون من الديون. الإشكالية التي عانى منها الاقتصاد الأمريكي ووصل تأثيرة إلى دول العالم المختلفة والى أسواق الدوحة والبنوك القطرية، تتمثل في أن الرواتب والمكآفات المجزية التي تمنحها المؤسسات المالية كانت من الأسباب الرئيسية في التشجيع على الإقدام على مغامرات استثمارية مبالغ فيها، وهي أدت إضافة إلى أزمة الرهن العقاري إلى حدوث الأزمة المالية الدولية، ودفعت القطاع المالي الأميركي إلى حافة الانهيار قبل عام. أما اللعبة الجديدة التي يلعبها القطط السمان بعد الاستقرار شبه المعقول في الأزمة وليس احتواءها، هو في أنها أعادت بعض الأموال التي أقرضتها لها الحكومة لمنعها من الانهيار خلال الأزمة المالية، من أجل التهرب من الضوابط الحكومية التي ترعى المكافآت كما حدث في بعض البنوك وهو الأمر الذي وصفه أوباما بقوله "بعض الناس لم يستوعبوا الأمر بعد ومازالوا يتساءلون لماذا الناس غاضبة"؟؟!!
في الأسبوع نفسه أوصى تقرير مصرفي بريطاني بأن تفصح كبرى البنوك في البلاد عن المبالغ التي تدفعها لكبار موظفيها، إذا تجاوزت 1.65 مليون دولار. والتقرير عبارة عن توصيات أعدها ديفيد ووكر رئيس مجلس الإدارة السابق للوحدة الدولية لبنك مورغان ستانلي وقدمها للحكومة البريطانية، بعد موجة غضب شعبي من ارتفاع علاوات ورواتب مسؤولي البنوك الكبار. من جانبها ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز أن رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون تعهد باتخاذ "إجراءات صارمة" بشأن المكافآت المبالغ فيها في القطاع المالي في إطار مسعى دولي. وفي مقابلة نشرتها الصحيفة على صدر صفحتها الأولى قال براون إن الرواتب والمكافآت يجب ان تدفع على اساس النتائج على المدى الطويل وليس المكاسب عن طريق المضاربات وانه يجب على البنوك أن تسترد المكافآت إذا تدهور الأداء في الأعوام التالية؟!
نشرت أرقـام بزنس إنفو، وهو موقع الكتروني متخصص بتقديم المعلومات المالية والأخبار الاقتصـادية المتعلقـة بأسـواق الأسـهم في منطقة الخليج والشـركات المدرجة فيها، دراسة حول المكافآت والتعويضات التي حصل عليها كبار التنفيذيين في الشركات السعودية المساهمة، وكشفت أن مسئولين في شركات "ساب" و"الكابلات" و "صافولا" و"الأبحاث والتسويق" قد حصلوا على أعلى المكافآت. وأظهرت الدراسة أن كبار التنفيذيين في 7 بنوك سعودية و3 شركات أخرى (موبايلي، إعمار، البحر الأحمر) قد جاءوا في رأس القائمة. وكانت مجموعة سامبا الأكثر سخاء، حيث بلغت مكافآت ستة من التنفيذيين الكبار 47.6 مليون ريال من ضمنهم الرئيس التنفيذي للمجموعة؟!
في قطر أعلن وزير المالية منذ فترة أن وزارته ستنفق 900 مليون دولار على شراء حصة 5% في بعض البنوك المحلية قبل نهاية العام وهو القرار المستند إلى قرار اتخذته هيئة الاستثمار القطرية العام الماضي لشراء ما بين 10 - 20 % من أسهم البنوك المدرجة بالإضافة إلى شراء المحافظ المتعثرة وبعض المديونيات غير القادرة على الدفع، وبتاريخ 23/12/2009 ذكر تقرير لمجموعة "كريدت سويس" (Credit Suisse) المصرفية، أوردته نشرة "داو جونز"، أن المصارف القطرية قد تعاني من انكشافها على مجموعة دبي العالمية المثقلة بالديون والتي تسعى جاهدة لإعادة جدولة ديون مترتبة عليها بقيمة تلامس 22 مليار دولار، وأشار التقرير إلى أنه رغم إعلان عدد من المصارف القطرية، منها البنك التجاري القطري وبنك قطر الدولي الإسلامي وبنك الدوحة، عن عدم انكشافها لمجموعة دبي العالمية أو الشركات التابعة لها (ولا نعرف اين تقف هذه البنوك في نشاطاتها الأخرى في الدول الخليجية أو العربية أو الأجنبية)، إلا أن مصرف قطر الإسلامي، وعلى عكس البنوك المذكورة، كشف في بداية شهر ديسمبر الجاري عن تعرضه لمجموعة دبي العالمية بمبلغ يلامس ( 54 مليون ريال قطري) في شكل مساهمة في صكوك إسلامية متداولة مغطاة بأصول عينية مستحقة السداد في عام 2017.
وحسنا فعل مجلس الشورى القطري في طرح موضوع مكافآت وبدلات أعضاء مجالس إدارات البنوك والشركات المساهمة العامة، واعتقد أنها خطوة صحيحة يجب أن تتبعها خطوات في تقييم ومراجعة وضع القوانين و الضوابط و معايير الحوكمة للنظام في المؤسسات والشركات والبنوك التي تملك فيها الدولة حصصا واسهما ومحافظ، وصياغة معايير واليات واضحة ومحددة لمواجهة القطط السمان، فالرواتب والمكافآت يجب أن تقدم على أساس النتائج طويلة المدى وليس من خلال المضاربات في البورصة والعقارات وأن يتم استردادها إذا تدهور الأداء في الأعوام التالية.
بات من الواضح أن السبب الرئيسي في حدوث الأزمة المالية العالمية يعود إلى غياب الضوابط والمعايير والقوانين التي تحكم المسئولين ومديري وأعضاء وأصحاب النشاط الاقتصادي المصرفي والأذرع التابعة له من مؤسسات مالية وشركات مساهمة وأسواق نقدية ومالية، كما أشار لذلك الدكتور غسان قلعاوي، فهم لم يتعلموا الدرس وعادوا بعد تهدئة الأزمة والحصول على المساعدات و التمويل والسيولة من قبل الحكومات من الميزانيات الاحتياطية وصندوق الأجيال و دافعي الضرائب إلى معالجة الأزمة بنفس الأساليب التي أدت إليها من إصرار على تغليب هدف الربحية والأجور العالية والاستثمارات التي تغلب عليها صفة المضاربة وارتفاع مستويات الخطر والتوسع في الإقراض وطلب المزيد من الدعم والسيولة من قبل الحكومات؟؟!! وهي أساليب بعيدة عن عوامل الأمان والسلامة التي تكفل الحفاظ على الأموال باعتباره الهدف الأول للنشاط المصرفي.
النشاط الاقتصادي وخصوصا البنوك وبعض المؤسسات المساهمة بشكل عام وعندنا في الخليج وفي قطر بوجه خاص تجاور الحدود والقوانين التي صيغت لضبطه باعتباره نشاطاً أميناً على حفظ أموال الجمهور قبل العمل على تنمية أرباح ملاكه وأجور مديريه والمسئولين الكبار فيه، وكان تجاوزه مقترنا بتساهل أو بتغاضي السلطات المالية والنقدية المسؤولة، بل بتمهيد وتشجيع منها في معظم الأحيان في ظل عهد طفرة الاستثمار المنفلت.
ما الحل إذا، وكيف تتم مواجهة الإشكاليات المطروحة؟.. أعود مرة أخرى لرؤية الدكتور غسان قلعاوي الذي طالب بالعودة إلى الالتزام بالضوابط الدولية وعدم تجاوزها أو القفز عليها، أهمها كفاية رأس المال وتكوين الاحتياطيات الخاصة وأداء الاحتياطيات الإلزامية وحظر الأنشطة والأعمال غير المصرفية كممارسة التجارة أو الصناعة أو امتلاك البضائع والمتاجرة بها أو شراء العقارات أو تملك الأسهم أو المتاجرة بها، أو المساهمة في تمويل إنشاء عقارات سكنية أو تجارية إلا في حالات خاصة وضمن حدود معينة ولمدد محددة، ليعود النشاط كما كان في سابق عهده كأمين على ودائع وأموال الناس.
خــــالـــد الجــابــر
Aljaberzoon@gmail.com
الأربعاء، 13 يناير 2010
مكافآت وبدلات أعضاء مجالس الإدارات
2010-01-14
في الأسبوع قبل الماضي وفي أشهر برنامج في أمريكا (ستون دقيقة) في شبكة "سي بي اس (CBS's "60 Minutes)، جاء أشرس هجوم على لسان الرئيس الأميركي باراك اوباما حين أطلق مصطلح "القطط السمينة" (Fat Cat) على الذين يحصلون على مكافآت مصرفية كبيرة، معربا عن غضبه من اعتزام المصارف التي أنقذتها الحكومة بأموال دافعي الضرائب منح مكافآت ضخمة لموظفيها بينما يعاني المواطنون من الديون. الإشكالية التي عانى منها الاقتصاد الأمريكي ووصل تأثيرة إلى دول العالم المختلفة والى أسواق الدوحة والبنوك القطرية، تتمثل في أن الرواتب والمكآفات المجزية التي تمنحها المؤسسات المالية كانت من الأسباب الرئيسية في التشجيع على الإقدام على مغامرات استثمارية مبالغ فيها، وهي أدت إضافة إلى أزمة الرهن العقاري إلى حدوث الأزمة المالية الدولية، ودفعت القطاع المالي الأميركي إلى حافة الانهيار قبل عام. أما اللعبة الجديدة التي يلعبها القطط السمان بعد الاستقرار شبه المعقول في الأزمة وليس احتواءها، هو في أنها أعادت بعض الأموال التي أقرضتها لها الحكومة لمنعها من الانهيار خلال الأزمة المالية، من أجل التهرب من الضوابط الحكومية التي ترعى المكافآت كما حدث في بعض البنوك وهو الأمر الذي وصفه أوباما بقوله "بعض الناس لم يستوعبوا الأمر بعد ومازالوا يتساءلون لماذا الناس غاضبة"؟؟!!
في الأسبوع نفسه أوصى تقرير مصرفي بريطاني بأن تفصح كبرى البنوك في البلاد عن المبالغ التي تدفعها لكبار موظفيها، إذا تجاوزت 1.65 مليون دولار. والتقرير عبارة عن توصيات أعدها ديفيد ووكر رئيس مجلس الإدارة السابق للوحدة الدولية لبنك مورغان ستانلي وقدمها للحكومة البريطانية، بعد موجة غضب شعبي من ارتفاع علاوات ورواتب مسؤولي البنوك الكبار. من جانبها ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز أن رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون تعهد باتخاذ "إجراءات صارمة" بشأن المكافآت المبالغ فيها في القطاع المالي في إطار مسعى دولي. وفي مقابلة نشرتها الصحيفة على صدر صفحتها الأولى قال براون إن الرواتب والمكافآت يجب ان تدفع على اساس النتائج على المدى الطويل وليس المكاسب عن طريق المضاربات وانه يجب على البنوك أن تسترد المكافآت إذا تدهور الأداء في الأعوام التالية؟!
نشرت أرقـام بزنس إنفو، وهو موقع الكتروني متخصص بتقديم المعلومات المالية والأخبار الاقتصـادية المتعلقـة بأسـواق الأسـهم في منطقة الخليج والشـركات المدرجة فيها، دراسة حول المكافآت والتعويضات التي حصل عليها كبار التنفيذيين في الشركات السعودية المساهمة، وكشفت أن مسئولين في شركات "ساب" و"الكابلات" و "صافولا" و"الأبحاث والتسويق" قد حصلوا على أعلى المكافآت. وأظهرت الدراسة أن كبار التنفيذيين في 7 بنوك سعودية و3 شركات أخرى (موبايلي، إعمار، البحر الأحمر) قد جاءوا في رأس القائمة. وكانت مجموعة سامبا الأكثر سخاء، حيث بلغت مكافآت ستة من التنفيذيين الكبار 47.6 مليون ريال من ضمنهم الرئيس التنفيذي للمجموعة؟!
في قطر أعلن وزير المالية منذ فترة أن وزارته ستنفق 900 مليون دولار على شراء حصة 5% في بعض البنوك المحلية قبل نهاية العام وهو القرار المستند إلى قرار اتخذته هيئة الاستثمار القطرية العام الماضي لشراء ما بين 10 - 20 % من أسهم البنوك المدرجة بالإضافة إلى شراء المحافظ المتعثرة وبعض المديونيات غير القادرة على الدفع، وبتاريخ 23/12/2009 ذكر تقرير لمجموعة "كريدت سويس" (Credit Suisse) المصرفية، أوردته نشرة "داو جونز"، أن المصارف القطرية قد تعاني من انكشافها على مجموعة دبي العالمية المثقلة بالديون والتي تسعى جاهدة لإعادة جدولة ديون مترتبة عليها بقيمة تلامس 22 مليار دولار، وأشار التقرير إلى أنه رغم إعلان عدد من المصارف القطرية، منها البنك التجاري القطري وبنك قطر الدولي الإسلامي وبنك الدوحة، عن عدم انكشافها لمجموعة دبي العالمية أو الشركات التابعة لها (ولا نعرف اين تقف هذه البنوك في نشاطاتها الأخرى في الدول الخليجية أو العربية أو الأجنبية)، إلا أن مصرف قطر الإسلامي، وعلى عكس البنوك المذكورة، كشف في بداية شهر ديسمبر الجاري عن تعرضه لمجموعة دبي العالمية بمبلغ يلامس ( 54 مليون ريال قطري) في شكل مساهمة في صكوك إسلامية متداولة مغطاة بأصول عينية مستحقة السداد في عام 2017.
وحسنا فعل مجلس الشورى القطري في طرح موضوع مكافآت وبدلات أعضاء مجالس إدارات البنوك والشركات المساهمة العامة، واعتقد أنها خطوة صحيحة يجب أن تتبعها خطوات في تقييم ومراجعة وضع القوانين و الضوابط و معايير الحوكمة للنظام في المؤسسات والشركات والبنوك التي تملك فيها الدولة حصصا واسهما ومحافظ، وصياغة معايير واليات واضحة ومحددة لمواجهة القطط السمان، فالرواتب والمكافآت يجب أن تقدم على أساس النتائج طويلة المدى وليس من خلال المضاربات في البورصة والعقارات وأن يتم استردادها إذا تدهور الأداء في الأعوام التالية.
بات من الواضح أن السبب الرئيسي في حدوث الأزمة المالية العالمية يعود إلى غياب الضوابط والمعايير والقوانين التي تحكم المسئولين ومديري وأعضاء وأصحاب النشاط الاقتصادي المصرفي والأذرع التابعة له من مؤسسات مالية وشركات مساهمة وأسواق نقدية ومالية، كما أشار لذلك الدكتور غسان قلعاوي، فهم لم يتعلموا الدرس وعادوا بعد تهدئة الأزمة والحصول على المساعدات و التمويل والسيولة من قبل الحكومات من الميزانيات الاحتياطية وصندوق الأجيال و دافعي الضرائب إلى معالجة الأزمة بنفس الأساليب التي أدت إليها من إصرار على تغليب هدف الربحية والأجور العالية والاستثمارات التي تغلب عليها صفة المضاربة وارتفاع مستويات الخطر والتوسع في الإقراض وطلب المزيد من الدعم والسيولة من قبل الحكومات؟؟!! وهي أساليب بعيدة عن عوامل الأمان والسلامة التي تكفل الحفاظ على الأموال باعتباره الهدف الأول للنشاط المصرفي.
النشاط الاقتصادي وخصوصا البنوك وبعض المؤسسات المساهمة بشكل عام وعندنا في الخليج وفي قطر بوجه خاص تجاور الحدود والقوانين التي صيغت لضبطه باعتباره نشاطاً أميناً على حفظ أموال الجمهور قبل العمل على تنمية أرباح ملاكه وأجور مديريه والمسئولين الكبار فيه، وكان تجاوزه مقترنا بتساهل أو بتغاضي السلطات المالية والنقدية المسؤولة، بل بتمهيد وتشجيع منها في معظم الأحيان في ظل عهد طفرة الاستثمار المنفلت.
ما الحل إذا، وكيف تتم مواجهة الإشكاليات المطروحة؟.. أعود مرة أخرى لرؤية الدكتور غسان قلعاوي الذي طالب بالعودة إلى الالتزام بالضوابط الدولية وعدم تجاوزها أو القفز عليها، أهمها كفاية رأس المال وتكوين الاحتياطيات الخاصة وأداء الاحتياطيات الإلزامية وحظر الأنشطة والأعمال غير المصرفية كممارسة التجارة أو الصناعة أو امتلاك البضائع والمتاجرة بها أو شراء العقارات أو تملك الأسهم أو المتاجرة بها، أو المساهمة في تمويل إنشاء عقارات سكنية أو تجارية إلا في حالات خاصة وضمن حدود معينة ولمدد محددة، ليعود النشاط كما كان في سابق عهده كأمين على ودائع وأموال الناس.
خــــالـــد الجــابــر
Aljaberzoon@gmail.com
الثلاثاء، 5 يناير 2010
انتهاء الرقابة في عصر الحريات
المنع والمصادرة والرقابة في عصر الحريات انتهت إلى غير رجعة
يشكل عدد الكتب العربية حوالي %1 فقط من الإنتاج العالمي
2010-01-06
زرت عدة معارض للكتاب خلال الفترة الماضية بعضها في دول الخليج والبعض الاخر في الدول العربية، وآخرها معرض الدوحة العشرون الدولي للكتاب، ولم أفاجأ حقيقة بمقص الرقيب الذي وجدته حاضرا ومستعدا ومتأهبا للانقضاض على الجديد والقديم أيضا من المؤلفات والكتب الفكرية المختلفة من طرف اليمين إلى أقصى اليسار! بل ما أثأر انتباهي أن دور النشر العربية نتيجة هذا الوضع القائم والمستمر، وربما نتيجة مرورها بالتجارب المختلفة مع مختلف الدول في العالم العربي، وضعت أصابعها في عينيها، وقامت بدورها بممارسة الرقابة الذاتية بوعي أو غير وعي أحيانا أو كثيرا، في مصادرة وعزل الكتب التي تعتقد انه سيتم منعها أو توقيفها في مطارات وأجهزة الرقابة الحكومية والخاصة في الدول العربية وخصوصا في دول الخليج!!
الرقابة عششت وتربت وكبرت وفرخت في العقل العربي وبات الجميع يمارس الرقابة بأشكال مختلفة كمحرقة جماعية (Holocaust)، والاختلاف يمكن في الدرجة وليس في النوع، من الرقيب الحكومي العتيد إلى دور النشر إلى المكتبات إلى القارئ والمتلقي، هذا الوضع المزري الذي وصلنا إليه، جعل التقارير والتقييمات الدولية تتناولنا بالتشريح والتقطيع وترينا مكاننا الحقيقي من الإعراب في العالم، فهي تشير إلى أن العرب أقل الأمم في تأليف وإصدار الكتب، فهم لا ينتجون إلا أقل من نصف بالمائة من كتب العالم، وهم أقل أمم العالم في القراءة بشكل عام وفي قراءة الكتب بشكل خاص، فهم لا يقرأون كتاباً واحداً في كل عام، في حين أن معدلات القراءة في الغرب قد تصل إلى قراءة أكثر من كتاب بمعدل الشهر، كما ان العالم العربي يترجم من الكتب أقل مما يترجمه بلد واحد مثل اليونان، ويشكل عدد الكتب العربية 1% فقط تقريبا من الإنتاج العالمي، وما ترجم في العالم العربي منذ عصر المأمون حتى الآن أقل مما تترجمه أسبانيا وحدها في عام واحد، كما أن إحصائية (اليونيسكو) اشارت الى أن العالم العربي خلال سنة 1991 اصدر ما يقارب 6500 كتاب وفي مقابل ذلك نجد حوالي 102000 كتاب في أمريكا الشمالية وحدها ونجد 42000 كتاب من أمريكا اللاتينية والكاريبي وحدها، مما يعطي انطباعا عن حقيقة المشهد المعرفي والثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي من تراجع وجهل وضياع إذا ما قارناه مع دول في العالم الثالث كانت تقبع في المؤخرة وتتقدم اليوم على جميع الدول العربية في العلم والتعليم والثقافة والفكر والأدب.
ذهبت لتلك المعارض ابحث عن ضالتي من المؤلفات العربية الجديدة في السوق التي تتناول الفكر والفلسفة والثقافة والسياسة، لنتعرف من خلالها على ما فاتنا في بلاد الغربة من أفكار وأطروحات ومساجلات ومجادلات في الساحة العربية، وللأسف رجعت خاوي اليدين ومصابا بخيبة أمل وحسرة شديدة، فلم تكن عندي مشكلة في الحصول على الكتب الأجنبية الغربية والشرقية وبجميع اللغات، ويكفي أنه بضغطة زر على جهاز الكمبيوتر، تنتقل عن طريق الشبكة العنكبوتية إلى كبريات دور النشر والكتب في العالم على رأسها أمازون (Amazon) وبارنز اند نوبل (Barnes & Noble) وبوردرز (Borders)، أو تقوم بالاشتراك بالمواقع الأكاديمية أو العلمية المختلفة لتطلع على الإنتاج العالمي جديده وقديمه في مختلف التخصصات على شكل الكتب الالكترونية (E — BOOK)، لكن في عالمنا العربي تجد الكثير من القيود والأبواب المغلقة والأسوار الشائكة التي تضع أمامك العراقيل التي تمنعك من الوصول إلى مبتغاك وان كان مجرد كتاب مطبوع مغمور لا يطلع عليه إلا النخب؟!؟! وللأسف إن الرقابة بأشكالها المختلفة التي تمارس في الأراضي العربية لم تقمع الكتب والفكر الذي تحمله بل حدت من بروز المبدعين والمفكرين والمؤلفين وحجمت من انتشار أفكارهم ومعارفهم وإبداعاتهم، كما ان العديد منهم محارب في فكره وأطروحاته ويتم منعها وتكفيرها وتسفيهها والتقليل من شأنها؟! فلا كرامة لنبي في وطنه.
لكن رغم ذلك السواد الذي يبدو كثيفا وطويلا إلا أن هناك دائما بصيصا من النور والأمل، فالحاجة أم الاختراع، وقديما قالوا إذا أردت أن تشهر كتابا فامنعه أو قم بمصادرته، والحراك والتغيير في الساحة الثقافية العربية اليوم بدا بحفر الثقوب الأولى في الجدار السميك عن طريق المنتديات والمواقع الاجتماعية التفاعلية على الشبكة العنكبوتية، وما تقوم به هذه المنتديات والمدونات (البلوغز) من المساهمة في نشر المؤلفات والكتب في جميع التخصصات عن طريق مواقعها على الانترنت وخصوصا تلك المرفوضة دينياً وسياسياً واجتماعياً وثقافيا، وهو العمل الذي يشبه ما كان يقوم به المثقفون والمفكرون في أوروبا في عصر التنوير وبالتحديد في إيطاليا، وهولندا، وانجلترا، وفرنسا، عصر التحرر العقلي والفكري في القرن الثامن عشر، من طباعة الكتب أو اعادة نسخها ونشرها، وهو المشروع الفكري والنضالي الذي خلص البشرية من ظلمات العصور الوسطى وهيمنة رجال الكنيسة والاستبداد السياسي وانتشل العقل من الأفكار الخرافية والظلامية التي سادت في شرائح واسعة من الشعب بل وحتى من قبل الكثير من المثقفين لقرون! والكتب التي صنعت التغيير ويدين لها عالم اليوم بالكثير كانت تتناول افكار هوبز، سبينوزا، لايبنتز، لوك، بايل، جاليليو، جان جاك روسو، فولتير، ديدرو، كوندورسيه، ليسنغ، كانط، هيغل، هولدرلين.
ورغم أن هذه الأعمال والنشاطات التي انتشرت كالنار في الهشيم، ولم تعد هناك قدرة للسيطرة عليها أو محاصرتها أو الحد منها أو وقفها أو تحجيمها، منافية للجوانب الأخلاقية من قبيل الحفاظ على حقوق المؤلف أو الكاتب والناشر أو دور النشر، إلا أن الغريق يتعلق بقشة، وهل نستطيع أن نطالب بقطع يد السارق الذي يسعى للحصول على خبز يومه عندما تنتشر المجاعة ويعم الفقر في مجتمع، اسألوا عمر بن الخطاب؟! فما بالك اذا انتشر وساد وعم في دول ومجتمعات وأمم وكان هذا الفقر متمثلا في البحث عن المعرفة والعلوم والمعلومات؟!
وكأني اسمع صرخة فولتير الشهيرة اسحقوا العار مدوية من القرن الثامن عشر تخاطبنا قائلة "كفى حرقا للكتب، والإطاحة برؤوس الفلاسفة وإعدام الأبرياء بحجة أنهم يدينون بديانات مختلفة، هذا عار يجب أن يمحى، الإنسان يحب أن يتحرر من خرافات العصور الوسطى، ومن سلطة الحكومة الدينية، الإنسان يجب أن يحكم بالحجة والعقل". أو أنها من المقولات التي كان يرددها كوندورسيه قبل أن يلقى حتفه، وهو الذي اعتبر اخر مفكري فلاسفة التنوير الكبار الذين حاربوا الاستبداد وطغيان الكنيسة، "سوف يأتى يوم تشرق فيه الشمس على الإنسان الحر. الذى يعتبر العقل فقط هو سيده. عندما يحتل الطغاة والعبيد ورجال الدين وأدواتهم الجهنمية، مكانهم الطبيعى فى صفحات التاريخ، وعلى خشبة المسرح"، إن المنع والمصادرة والرقابة في عصر الحريات انتهت إلى غير رجعة والعالم لا يعود إلى الوراء فهل وصلت الرسالة أيها الرقيب العربي؟!
خــــالـــد الجــابــر
Aljaberzoon@gmail.com
يشكل عدد الكتب العربية حوالي %1 فقط من الإنتاج العالمي
2010-01-06
زرت عدة معارض للكتاب خلال الفترة الماضية بعضها في دول الخليج والبعض الاخر في الدول العربية، وآخرها معرض الدوحة العشرون الدولي للكتاب، ولم أفاجأ حقيقة بمقص الرقيب الذي وجدته حاضرا ومستعدا ومتأهبا للانقضاض على الجديد والقديم أيضا من المؤلفات والكتب الفكرية المختلفة من طرف اليمين إلى أقصى اليسار! بل ما أثأر انتباهي أن دور النشر العربية نتيجة هذا الوضع القائم والمستمر، وربما نتيجة مرورها بالتجارب المختلفة مع مختلف الدول في العالم العربي، وضعت أصابعها في عينيها، وقامت بدورها بممارسة الرقابة الذاتية بوعي أو غير وعي أحيانا أو كثيرا، في مصادرة وعزل الكتب التي تعتقد انه سيتم منعها أو توقيفها في مطارات وأجهزة الرقابة الحكومية والخاصة في الدول العربية وخصوصا في دول الخليج!!
الرقابة عششت وتربت وكبرت وفرخت في العقل العربي وبات الجميع يمارس الرقابة بأشكال مختلفة كمحرقة جماعية (Holocaust)، والاختلاف يمكن في الدرجة وليس في النوع، من الرقيب الحكومي العتيد إلى دور النشر إلى المكتبات إلى القارئ والمتلقي، هذا الوضع المزري الذي وصلنا إليه، جعل التقارير والتقييمات الدولية تتناولنا بالتشريح والتقطيع وترينا مكاننا الحقيقي من الإعراب في العالم، فهي تشير إلى أن العرب أقل الأمم في تأليف وإصدار الكتب، فهم لا ينتجون إلا أقل من نصف بالمائة من كتب العالم، وهم أقل أمم العالم في القراءة بشكل عام وفي قراءة الكتب بشكل خاص، فهم لا يقرأون كتاباً واحداً في كل عام، في حين أن معدلات القراءة في الغرب قد تصل إلى قراءة أكثر من كتاب بمعدل الشهر، كما ان العالم العربي يترجم من الكتب أقل مما يترجمه بلد واحد مثل اليونان، ويشكل عدد الكتب العربية 1% فقط تقريبا من الإنتاج العالمي، وما ترجم في العالم العربي منذ عصر المأمون حتى الآن أقل مما تترجمه أسبانيا وحدها في عام واحد، كما أن إحصائية (اليونيسكو) اشارت الى أن العالم العربي خلال سنة 1991 اصدر ما يقارب 6500 كتاب وفي مقابل ذلك نجد حوالي 102000 كتاب في أمريكا الشمالية وحدها ونجد 42000 كتاب من أمريكا اللاتينية والكاريبي وحدها، مما يعطي انطباعا عن حقيقة المشهد المعرفي والثقافي الذي يعيشه الإنسان العربي من تراجع وجهل وضياع إذا ما قارناه مع دول في العالم الثالث كانت تقبع في المؤخرة وتتقدم اليوم على جميع الدول العربية في العلم والتعليم والثقافة والفكر والأدب.
ذهبت لتلك المعارض ابحث عن ضالتي من المؤلفات العربية الجديدة في السوق التي تتناول الفكر والفلسفة والثقافة والسياسة، لنتعرف من خلالها على ما فاتنا في بلاد الغربة من أفكار وأطروحات ومساجلات ومجادلات في الساحة العربية، وللأسف رجعت خاوي اليدين ومصابا بخيبة أمل وحسرة شديدة، فلم تكن عندي مشكلة في الحصول على الكتب الأجنبية الغربية والشرقية وبجميع اللغات، ويكفي أنه بضغطة زر على جهاز الكمبيوتر، تنتقل عن طريق الشبكة العنكبوتية إلى كبريات دور النشر والكتب في العالم على رأسها أمازون (Amazon) وبارنز اند نوبل (Barnes & Noble) وبوردرز (Borders)، أو تقوم بالاشتراك بالمواقع الأكاديمية أو العلمية المختلفة لتطلع على الإنتاج العالمي جديده وقديمه في مختلف التخصصات على شكل الكتب الالكترونية (E — BOOK)، لكن في عالمنا العربي تجد الكثير من القيود والأبواب المغلقة والأسوار الشائكة التي تضع أمامك العراقيل التي تمنعك من الوصول إلى مبتغاك وان كان مجرد كتاب مطبوع مغمور لا يطلع عليه إلا النخب؟!؟! وللأسف إن الرقابة بأشكالها المختلفة التي تمارس في الأراضي العربية لم تقمع الكتب والفكر الذي تحمله بل حدت من بروز المبدعين والمفكرين والمؤلفين وحجمت من انتشار أفكارهم ومعارفهم وإبداعاتهم، كما ان العديد منهم محارب في فكره وأطروحاته ويتم منعها وتكفيرها وتسفيهها والتقليل من شأنها؟! فلا كرامة لنبي في وطنه.
لكن رغم ذلك السواد الذي يبدو كثيفا وطويلا إلا أن هناك دائما بصيصا من النور والأمل، فالحاجة أم الاختراع، وقديما قالوا إذا أردت أن تشهر كتابا فامنعه أو قم بمصادرته، والحراك والتغيير في الساحة الثقافية العربية اليوم بدا بحفر الثقوب الأولى في الجدار السميك عن طريق المنتديات والمواقع الاجتماعية التفاعلية على الشبكة العنكبوتية، وما تقوم به هذه المنتديات والمدونات (البلوغز) من المساهمة في نشر المؤلفات والكتب في جميع التخصصات عن طريق مواقعها على الانترنت وخصوصا تلك المرفوضة دينياً وسياسياً واجتماعياً وثقافيا، وهو العمل الذي يشبه ما كان يقوم به المثقفون والمفكرون في أوروبا في عصر التنوير وبالتحديد في إيطاليا، وهولندا، وانجلترا، وفرنسا، عصر التحرر العقلي والفكري في القرن الثامن عشر، من طباعة الكتب أو اعادة نسخها ونشرها، وهو المشروع الفكري والنضالي الذي خلص البشرية من ظلمات العصور الوسطى وهيمنة رجال الكنيسة والاستبداد السياسي وانتشل العقل من الأفكار الخرافية والظلامية التي سادت في شرائح واسعة من الشعب بل وحتى من قبل الكثير من المثقفين لقرون! والكتب التي صنعت التغيير ويدين لها عالم اليوم بالكثير كانت تتناول افكار هوبز، سبينوزا، لايبنتز، لوك، بايل، جاليليو، جان جاك روسو، فولتير، ديدرو، كوندورسيه، ليسنغ، كانط، هيغل، هولدرلين.
ورغم أن هذه الأعمال والنشاطات التي انتشرت كالنار في الهشيم، ولم تعد هناك قدرة للسيطرة عليها أو محاصرتها أو الحد منها أو وقفها أو تحجيمها، منافية للجوانب الأخلاقية من قبيل الحفاظ على حقوق المؤلف أو الكاتب والناشر أو دور النشر، إلا أن الغريق يتعلق بقشة، وهل نستطيع أن نطالب بقطع يد السارق الذي يسعى للحصول على خبز يومه عندما تنتشر المجاعة ويعم الفقر في مجتمع، اسألوا عمر بن الخطاب؟! فما بالك اذا انتشر وساد وعم في دول ومجتمعات وأمم وكان هذا الفقر متمثلا في البحث عن المعرفة والعلوم والمعلومات؟!
وكأني اسمع صرخة فولتير الشهيرة اسحقوا العار مدوية من القرن الثامن عشر تخاطبنا قائلة "كفى حرقا للكتب، والإطاحة برؤوس الفلاسفة وإعدام الأبرياء بحجة أنهم يدينون بديانات مختلفة، هذا عار يجب أن يمحى، الإنسان يحب أن يتحرر من خرافات العصور الوسطى، ومن سلطة الحكومة الدينية، الإنسان يجب أن يحكم بالحجة والعقل". أو أنها من المقولات التي كان يرددها كوندورسيه قبل أن يلقى حتفه، وهو الذي اعتبر اخر مفكري فلاسفة التنوير الكبار الذين حاربوا الاستبداد وطغيان الكنيسة، "سوف يأتى يوم تشرق فيه الشمس على الإنسان الحر. الذى يعتبر العقل فقط هو سيده. عندما يحتل الطغاة والعبيد ورجال الدين وأدواتهم الجهنمية، مكانهم الطبيعى فى صفحات التاريخ، وعلى خشبة المسرح"، إن المنع والمصادرة والرقابة في عصر الحريات انتهت إلى غير رجعة والعالم لا يعود إلى الوراء فهل وصلت الرسالة أيها الرقيب العربي؟!
خــــالـــد الجــابــر
Aljaberzoon@gmail.com
الاثنين، 4 يناير 2010
فرنسا الغريبة...الفرانكفونية في معرض كتاب الدوحة
2010-01-04
الفرانكفونية اليوم تبحث عن هوية ووطن وغير قادرة على أن تعرفنا بنفسها
الفرانكفونيون لا يمتلكون العقلية المتوقدة التي يتمتع بها جيرانهم الألمان
كل من تفتخر بهم فرنسا حالياً كانوا قد لعنوا في عصرهم وحوربوا ولوحقوا
الكتب المعروضة في المعرض موجودة على شبكة الانترنت بدون رقابة
بدت ملامحها غريبة، متوجسة، ومنعزلة، رغم العرض المبهر والديكور الفاخر والموقع المميز عند البوابة الرئيسية لدخول معرض الدوحة الدولي الـ"20" للكتاب، وهي ضيف الشرف، إلا أن الحواجز والموانع في التواصل ظلت تطاردها في منطقة لا تنتمي للفرانكفونية (وهوالمصطلح الذي حدده أونسيم روكولو، في 1880م وقصد به مجموع الأشخاص والبلدان التي تستخدم اللغة الفرنسية وثقافتها في موضوعات عديدة). وقد اقتصر زوار جناحها على بعض النخب التي جاءت لتقديم المجاملة والإطراء وعمل الواجب تجاه الضيف في قطر، وليس للبحث عن أرث ضائع كان أحد أركان الحضارة الحديثة بأفكاره ورواده ومفكريه. ذهبت للجناح الفرنسي أبحث في أركانه عن التنوير وأين وصل وعن مكانه في الاعراب في ثقافة تتعرض لصراع الهوية الوطنية بشكل دوري، وعمن يمثلها ويتحدث باسمها وعنها، وعلاقتها مع الإسلام والمسلمين، ومع الآخر بوجه عام في عصر العولمة وخصوصا بعد انتشار مطاعم ستارباكس وماكدونالدز الذي قرر أن يفتح فرعا في متحف اللوفر منذ مدة قصيرة؟!. درت في الردهات أبحث عن الحداثة وما بعدها وعن الجديد على الساحة لمقارنة ذلك بوضعنا، بحاضرنا ومستقبلنا. وكانت خيبة الأمل شديدة فلم أجد ضالتي، فالجناح الفرانكفوني يصلح للمشاركة في معارض السياحة والسفر والتجوال وربما الطبخ، وليس المشاركة في معرض متخصص يتناول الثقافة والفكر والكتب؟! بحثت عن الكتب العربية فلم أجد إلا كتابين، وسألت عن الانجليزية التي تتناول الثقافة الفرانكفونية بحكم الدراسة في الدول (الانجلوسكسونية) فلم أجد إلا 4 كتب. أما الفرنسية التي حاولت اختيار مجموعة من كتبها على سبيل الذكرى، فهي لا تسمن ولا تغني من جوع؟!
ابتعدت الفرانكفونية كثيرا في الآونة الأخيرة، وحاصرت نفسها بأسوار وجدران عالية، فهي التي لعبت جميع الأدوار ونقيضيها (Good Guys & Bad Guys) و(Angels & Demons)؟! من استعمار الدول في القارات المختلفة ومنها العربية والإسلامية في الجزائر وتونس وجيبوتي، ومارست الحماية للمغرب، والانتداب على سوريا، وقبلها حملت المطابع في الحملة الفرنسية وتوابعها على مصر (1798 — 1801 م)، وزودتها بالحروف العربية والتركية والفرنسية واليونانية، إلى جانب ما قامت به من أدوار في الحربين العالميتين الأولى والثانية، حاولت بعده تكفير خطئها في نشر ثقافة الحوار والديمقراطية وتعزيز الثقافة الإنسانية المشتركة بين الشعوب والأمم، من أجل الإنسان والمحبة والسلام، وعبر الثقافة والفنون والآداب وفروعها في الفلسفة والفكر والموسيقى والفنون التشكيلية والسينما والمسرح والرواية والشعر، لكنها اليوم تبدو وهي تبحث عن هوية ووطن وهي غير قادرة على أن تعرفنا بنفسها ولا تدعنا نعرفها عن أنفسنا؟!. لقد تابعت التحركات الفرانكفونية خاصة في دول الخليج العربية وكانت السياسة وهمومها هي الطاغية على المشهد وفي أغلب الصور، في الحديث عن انشاء القواعد العسكرية والوجود بحرا وجوا وبرا، وإرسال حاملات الطائرات المقاتلة، وسفن التجسس، وتسويق آخر المبتكرات الفرنسية في مجال التسلح، وترويج عدد من طائرات رافال (Rafale) لتحلّ مكان طائرات ميراج (Mirage)،؟!. أما المبادرات الأخرى الشحيحة التي تستهدف مجال التعليم والثقافة والتي اقتصرت على نخب معدودة على أصابع اليد، فقد جاء أغلبها مكملا للدور الأول؟! ولا ننسى أيضا مدى ما بلغته تجارة العطور والملابس الداخلية وعروض الأزياء النسائية الفرنسية عند الخليجيين من أهمية؟!
قبل أن أغادر المعرض، وقفت على مقربة من المدخل الرئيسي أنظر إلى الجناح الفرانكفوني من بعيد، تراءت لي آخر المعارك — وليست الأخيرة — التي دارت على الساحة الإنسانية حين طرحت الإشكالية المشككة في الأطروحات التي قدمها رموز الثقافة الفرانكفونية ورواد عصر الأنوار، وقد تحدث عنها هاشم صالح في تعليقه على كتاب تاريخ الفلسفة الفرنسية، والجدل دائما ما يبدأ بسؤال تعقبه مسائل، والسؤال كان: هل توجد حقاً فلسفة فرنسية؟ ودارت الأطروحات حول أن فرنسا لا تعتبر بلداً فلسفياً بكل ما تحمله الكلمة من معان وجمل؟! الفرانكفونيون لا يمتلكون العقلية المتوقدة التي يتمتع بها جيرانهم الألمان والانجليز على سبيل المثال؟ الفرانكفونيون روحهم متواضعة وخفيفة وسطحية، والفكر يتطلب عقولاً ثقيلة أو أدمغة ضخمة كعقول مصنوعة من المدافع الثقيلة مثل (الماكينة المانية)، ساعتها نهضت القوة الدفاعية الفرانكفونية لتفرض نفسها وتدخل المعركة بكل ثقلها وتصدح بمقولة ديكارت الرائعة (أنا أفكر إذن أنا موجود)، ولا تتردد أوتخجل في أن تقارن نفسها مع الفلسفة اليونانية، والفلسفة الألمانية، فالفلاسفة الفرانكفونيون بالفعل فلاسفة وليسوا كتاباً أو أدباء فقط؟! من أبيلاروسان برنار في القرون الوسطى الى ديلوز ودريدا في العصر الراهن، مروراً بمونتيني، وديكارت، وروسو، وفولتير، وباسكال، ومالبرانش، وبيرغسون، وسارتر، فكانط اعترف بمديونيته لجان جاك روسو، وهيغل أشار إلى ديكارت بأنه بطل الفكر والمؤسس الحقيقي للفلسفة الحدثية، بل ويشير ميشيل سير، أحد كبار الفلاسفة الفرانكفونيين حاليا كما يعرفه هاشم صالح الذي نستعين بالكثير من مقولته هنا، إلى أن معظم فلاسفة الفرانكفونية وخاصة الرواد الذين قدموا الكثير للفكر الإنساني وضحوا ودفعوا الثمن غاليا كالعظماء الآخرين وربما أكثر منهم، كانوا يشعرون بأنهم غرباء في وطنهم ومنبوذون من قبل معاصريهم. وقد أكدوا أنفسهم عن طريق التمرد على العقلية السائدة والامتثالية، عن طريق لغم القناعات الراسخة وتفكيكها، ولكن يبقى العامل المشترك لمعظم الفلاسفة الفرنسيين على مدار العصور أنهم كلهم تعرضوا للاضطهاد والعيش في المنافي لأجل أن يوصلوا أفكارهم إلى العالم أجمع؟!
إن معظم المفكرين الفرانكفونيين أدينوا بشكل أوبآخر من قبل سلطات عصرهم، سواء أكانت سلطات لاهوتية، أم سياسية، أم اجتماعية، ولم يعرف الناس قيمتهم إلا بعد أن ماتوا ودفعوا الثمن، فرينيه ديكارت، اضطر إلى الهرب من بلاده والعيش في هولندا لمدة عشرين سنة، ثم في السويد لأنه كان يريد أن يتخلص من الجوالخانق السائد آنذاك في المملكة الفرنسية بسبب هيمنة التقليد والتحجر العقلي والأصولية الكاثوليكية. وجان جاك روسو عاش محتقراً، منبوذاً، مطارداً من مكان إلى آخر وكأنه مجرم!! وكانوا يرجمونه بالحجارة ويكسرون نافذة بيته، ولم يتم تذكره إلا بعد اندلاع الثورة الفرنسية ليكرموا ذكراه، وينقلوا رفاته إلى مقبرة العظماء، ويتخذوا من كتبه دستوراً ومنهاجاً للجمهورية الفرنسية! وفولتير سجن في سجن الباستيل قبل أن يهرب إلى انجلترا، وحين وافته المنية رفض الكهنة الصلاة عليه أودفنه في مقابر المسيحيين لأنهم اعتبروه كافراً زنديقاً؟! وديدرو اعتقل لفترة من الزمن في سجن «فانسين»، وأما كوندرسيه فقد حكم عليه بالموت وانتحر في السجن، وبالمختصر المفيد فإن كل من تفتخر بهم فرنسا حالياً وتضع أسماءهم على شوارعها وساحاتها العامة كانوا قد لعنوا في عصرهم وحوربوا ولوحقوا، ولا يشذ عن ذلك فيكتور هيغو الذي نفاه نابليون الثالث لمدة عشرين سنة ليعيش كالبؤساء، قبل أن يعود كالفاتح المظفر إلى باريس؟!
حملت الكيس الذي أضع بداخله كتبا قليلة اقتنيتها من المعرض حتى لا اخرج خالي اليدين، فلم تكن هناك كتب تستدعى من المرء أن يقبل عليها بلهفة وشوق ونهم، وللعلم فقد أصبح معظمها موجود على الشبكة العالمية (E — books) وتمكن قراءتها من غير رقابة ولا مقص رقيب بعد ساعات قليلة من صدورها والرجوع إليها كمصادر في أي وقت ومكان وزمان؟! خرجت متسائلا عن الفرانكفونية التي رأيت، هل هي جديدة قديمة أم قديمة جديدة أم شيء آخر لا يريد أن يعرفنا ولا نريد أن نعرفه؟!
خــــالـــد الجــابــر
الفرانكفونية اليوم تبحث عن هوية ووطن وغير قادرة على أن تعرفنا بنفسها
الفرانكفونيون لا يمتلكون العقلية المتوقدة التي يتمتع بها جيرانهم الألمان
كل من تفتخر بهم فرنسا حالياً كانوا قد لعنوا في عصرهم وحوربوا ولوحقوا
الكتب المعروضة في المعرض موجودة على شبكة الانترنت بدون رقابة
بدت ملامحها غريبة، متوجسة، ومنعزلة، رغم العرض المبهر والديكور الفاخر والموقع المميز عند البوابة الرئيسية لدخول معرض الدوحة الدولي الـ"20" للكتاب، وهي ضيف الشرف، إلا أن الحواجز والموانع في التواصل ظلت تطاردها في منطقة لا تنتمي للفرانكفونية (وهوالمصطلح الذي حدده أونسيم روكولو، في 1880م وقصد به مجموع الأشخاص والبلدان التي تستخدم اللغة الفرنسية وثقافتها في موضوعات عديدة). وقد اقتصر زوار جناحها على بعض النخب التي جاءت لتقديم المجاملة والإطراء وعمل الواجب تجاه الضيف في قطر، وليس للبحث عن أرث ضائع كان أحد أركان الحضارة الحديثة بأفكاره ورواده ومفكريه. ذهبت للجناح الفرنسي أبحث في أركانه عن التنوير وأين وصل وعن مكانه في الاعراب في ثقافة تتعرض لصراع الهوية الوطنية بشكل دوري، وعمن يمثلها ويتحدث باسمها وعنها، وعلاقتها مع الإسلام والمسلمين، ومع الآخر بوجه عام في عصر العولمة وخصوصا بعد انتشار مطاعم ستارباكس وماكدونالدز الذي قرر أن يفتح فرعا في متحف اللوفر منذ مدة قصيرة؟!. درت في الردهات أبحث عن الحداثة وما بعدها وعن الجديد على الساحة لمقارنة ذلك بوضعنا، بحاضرنا ومستقبلنا. وكانت خيبة الأمل شديدة فلم أجد ضالتي، فالجناح الفرانكفوني يصلح للمشاركة في معارض السياحة والسفر والتجوال وربما الطبخ، وليس المشاركة في معرض متخصص يتناول الثقافة والفكر والكتب؟! بحثت عن الكتب العربية فلم أجد إلا كتابين، وسألت عن الانجليزية التي تتناول الثقافة الفرانكفونية بحكم الدراسة في الدول (الانجلوسكسونية) فلم أجد إلا 4 كتب. أما الفرنسية التي حاولت اختيار مجموعة من كتبها على سبيل الذكرى، فهي لا تسمن ولا تغني من جوع؟!
ابتعدت الفرانكفونية كثيرا في الآونة الأخيرة، وحاصرت نفسها بأسوار وجدران عالية، فهي التي لعبت جميع الأدوار ونقيضيها (Good Guys & Bad Guys) و(Angels & Demons)؟! من استعمار الدول في القارات المختلفة ومنها العربية والإسلامية في الجزائر وتونس وجيبوتي، ومارست الحماية للمغرب، والانتداب على سوريا، وقبلها حملت المطابع في الحملة الفرنسية وتوابعها على مصر (1798 — 1801 م)، وزودتها بالحروف العربية والتركية والفرنسية واليونانية، إلى جانب ما قامت به من أدوار في الحربين العالميتين الأولى والثانية، حاولت بعده تكفير خطئها في نشر ثقافة الحوار والديمقراطية وتعزيز الثقافة الإنسانية المشتركة بين الشعوب والأمم، من أجل الإنسان والمحبة والسلام، وعبر الثقافة والفنون والآداب وفروعها في الفلسفة والفكر والموسيقى والفنون التشكيلية والسينما والمسرح والرواية والشعر، لكنها اليوم تبدو وهي تبحث عن هوية ووطن وهي غير قادرة على أن تعرفنا بنفسها ولا تدعنا نعرفها عن أنفسنا؟!. لقد تابعت التحركات الفرانكفونية خاصة في دول الخليج العربية وكانت السياسة وهمومها هي الطاغية على المشهد وفي أغلب الصور، في الحديث عن انشاء القواعد العسكرية والوجود بحرا وجوا وبرا، وإرسال حاملات الطائرات المقاتلة، وسفن التجسس، وتسويق آخر المبتكرات الفرنسية في مجال التسلح، وترويج عدد من طائرات رافال (Rafale) لتحلّ مكان طائرات ميراج (Mirage)،؟!. أما المبادرات الأخرى الشحيحة التي تستهدف مجال التعليم والثقافة والتي اقتصرت على نخب معدودة على أصابع اليد، فقد جاء أغلبها مكملا للدور الأول؟! ولا ننسى أيضا مدى ما بلغته تجارة العطور والملابس الداخلية وعروض الأزياء النسائية الفرنسية عند الخليجيين من أهمية؟!
قبل أن أغادر المعرض، وقفت على مقربة من المدخل الرئيسي أنظر إلى الجناح الفرانكفوني من بعيد، تراءت لي آخر المعارك — وليست الأخيرة — التي دارت على الساحة الإنسانية حين طرحت الإشكالية المشككة في الأطروحات التي قدمها رموز الثقافة الفرانكفونية ورواد عصر الأنوار، وقد تحدث عنها هاشم صالح في تعليقه على كتاب تاريخ الفلسفة الفرنسية، والجدل دائما ما يبدأ بسؤال تعقبه مسائل، والسؤال كان: هل توجد حقاً فلسفة فرنسية؟ ودارت الأطروحات حول أن فرنسا لا تعتبر بلداً فلسفياً بكل ما تحمله الكلمة من معان وجمل؟! الفرانكفونيون لا يمتلكون العقلية المتوقدة التي يتمتع بها جيرانهم الألمان والانجليز على سبيل المثال؟ الفرانكفونيون روحهم متواضعة وخفيفة وسطحية، والفكر يتطلب عقولاً ثقيلة أو أدمغة ضخمة كعقول مصنوعة من المدافع الثقيلة مثل (الماكينة المانية)، ساعتها نهضت القوة الدفاعية الفرانكفونية لتفرض نفسها وتدخل المعركة بكل ثقلها وتصدح بمقولة ديكارت الرائعة (أنا أفكر إذن أنا موجود)، ولا تتردد أوتخجل في أن تقارن نفسها مع الفلسفة اليونانية، والفلسفة الألمانية، فالفلاسفة الفرانكفونيون بالفعل فلاسفة وليسوا كتاباً أو أدباء فقط؟! من أبيلاروسان برنار في القرون الوسطى الى ديلوز ودريدا في العصر الراهن، مروراً بمونتيني، وديكارت، وروسو، وفولتير، وباسكال، ومالبرانش، وبيرغسون، وسارتر، فكانط اعترف بمديونيته لجان جاك روسو، وهيغل أشار إلى ديكارت بأنه بطل الفكر والمؤسس الحقيقي للفلسفة الحدثية، بل ويشير ميشيل سير، أحد كبار الفلاسفة الفرانكفونيين حاليا كما يعرفه هاشم صالح الذي نستعين بالكثير من مقولته هنا، إلى أن معظم فلاسفة الفرانكفونية وخاصة الرواد الذين قدموا الكثير للفكر الإنساني وضحوا ودفعوا الثمن غاليا كالعظماء الآخرين وربما أكثر منهم، كانوا يشعرون بأنهم غرباء في وطنهم ومنبوذون من قبل معاصريهم. وقد أكدوا أنفسهم عن طريق التمرد على العقلية السائدة والامتثالية، عن طريق لغم القناعات الراسخة وتفكيكها، ولكن يبقى العامل المشترك لمعظم الفلاسفة الفرنسيين على مدار العصور أنهم كلهم تعرضوا للاضطهاد والعيش في المنافي لأجل أن يوصلوا أفكارهم إلى العالم أجمع؟!
إن معظم المفكرين الفرانكفونيين أدينوا بشكل أوبآخر من قبل سلطات عصرهم، سواء أكانت سلطات لاهوتية، أم سياسية، أم اجتماعية، ولم يعرف الناس قيمتهم إلا بعد أن ماتوا ودفعوا الثمن، فرينيه ديكارت، اضطر إلى الهرب من بلاده والعيش في هولندا لمدة عشرين سنة، ثم في السويد لأنه كان يريد أن يتخلص من الجوالخانق السائد آنذاك في المملكة الفرنسية بسبب هيمنة التقليد والتحجر العقلي والأصولية الكاثوليكية. وجان جاك روسو عاش محتقراً، منبوذاً، مطارداً من مكان إلى آخر وكأنه مجرم!! وكانوا يرجمونه بالحجارة ويكسرون نافذة بيته، ولم يتم تذكره إلا بعد اندلاع الثورة الفرنسية ليكرموا ذكراه، وينقلوا رفاته إلى مقبرة العظماء، ويتخذوا من كتبه دستوراً ومنهاجاً للجمهورية الفرنسية! وفولتير سجن في سجن الباستيل قبل أن يهرب إلى انجلترا، وحين وافته المنية رفض الكهنة الصلاة عليه أودفنه في مقابر المسيحيين لأنهم اعتبروه كافراً زنديقاً؟! وديدرو اعتقل لفترة من الزمن في سجن «فانسين»، وأما كوندرسيه فقد حكم عليه بالموت وانتحر في السجن، وبالمختصر المفيد فإن كل من تفتخر بهم فرنسا حالياً وتضع أسماءهم على شوارعها وساحاتها العامة كانوا قد لعنوا في عصرهم وحوربوا ولوحقوا، ولا يشذ عن ذلك فيكتور هيغو الذي نفاه نابليون الثالث لمدة عشرين سنة ليعيش كالبؤساء، قبل أن يعود كالفاتح المظفر إلى باريس؟!
حملت الكيس الذي أضع بداخله كتبا قليلة اقتنيتها من المعرض حتى لا اخرج خالي اليدين، فلم تكن هناك كتب تستدعى من المرء أن يقبل عليها بلهفة وشوق ونهم، وللعلم فقد أصبح معظمها موجود على الشبكة العالمية (E — books) وتمكن قراءتها من غير رقابة ولا مقص رقيب بعد ساعات قليلة من صدورها والرجوع إليها كمصادر في أي وقت ومكان وزمان؟! خرجت متسائلا عن الفرانكفونية التي رأيت، هل هي جديدة قديمة أم قديمة جديدة أم شيء آخر لا يريد أن يعرفنا ولا نريد أن نعرفه؟!
خــــالـــد الجــابــر
الجمعة، 1 يناير 2010
المواطن وأعواد الكبريت العربية
هل ستكون الرزنامة العربية 2010 أفضل أو وضعها مماثلا أو ستكون أسوأ؟!
2009-12-30
أجمل هدية قُدمت لي في بداية السنة الماضية 2009 كانت عبارة عن رزنامة على شكل أعواد الثقاب "أعواد الكبريت" (Matches Calendar)، رُسِمت عليها كل أيام السنة، وفي كل يوم يجب أن تقطع عوداً وتشعله أو ترميه حتى يظهر اليوم الذي بعده. والهدف الرائع من هذا التصميم هو إشعارك بأنك لا تستطيع الاحتفاظ بشيء إلى الأبد فقد ذهب اليوم وانتهت صلاحية العود، وكل ما عليك فعله أن تعي وتدرك أن اليوم الذي تعيشه مميز ويجب أن تستفيد من كل لحظة فيه وعند انتهائه يصبح جزءاً من الذكريات، كما أنه يأخذ من عمرك وينقص منه يوماً بعد يوم، وها هي الرزنامة تقارب الانتهاء فقد بقيت فيها أعواد تعد على الأصابع وربما تكون قد احترقت كلها عند نشر هذا المقال؟!!
وأنا أكتب هذه الكلمات تراءت لي للمرة الثانية القصة القصيرة "بائعة الكبريت" (The Little Match Girl) للكاتب الدنماركي المشهور هانس كريستيان أندرسن (Hans Christian Anderson) وهي تروي حكاية فتاة يتيمة وفقيرة، تعيش على أرصفة الطرقات وتجبر على بيع علب الكبريت للناس في الشوارع، وفي ليلة رأس السنة يشتد البرد فتجلس على قارعة الطريق حاسرة الرأس حافية القدمين ولا تجد من يشتري منها ولا تستطيع التوقف والعودة دون بيع بعض الأعواد وإلا ستتعرض للضرب والمهانة، وبعد أن أعياها التعب أحست بالبرد فقررت أن تشعل عوداً من الثقاب لتتدفأ به فخيل لها أنها في البيت تجلس مع أهلها إلى جانب المدفئة، وما إن شعرت بالدفء حتى أنطفأ عود الثقاب فقررت أن تشعل عوداً آخر فأشعلته، فخيلت لها مائدة توجد عليها أشهى الأطباق وكل ما لذ وطاب، وما إن همت بتناول بالطعام حتى انطفأ عود الثقاب فحزنت وقالت لنفسها لأشعل عوداً آخر، وما إن أشعلته حتى خُيلت لها شجرة عيد الميلاد وهي محاطة بالزينة والأضواء والهدايا من حولها. وما إن شرعت تفتح الهدية حتى انطفأ العود مرة أخرى فأشعلت العود الأخير فخيلت لها جدتها العطوفة، فخاطبتها قائلة: جدتي.. جدتي.. أين أنتِ أريدك معي أنا بحاجة إليكِ. فتبتسم لها جدتها ثم ينطفئ العود الأخير، وتموت الفتاة من البرد وسط عيدان الثقاب، وكان الناس حولها يتحدثون عن الفتاة المسكينة ويحاول كل منهم أن يفسر ما حدث!!
قبل نهاية السنة أتيحت لنا الفرصة لزيارة برلين وكانت الوجهة الرئيسية بالطبع أشهر جدار في العالم، والذي احتفل العالم بمرور الذكرى العشرين لسقوطه، وهو جدار برلين الذي لم يتبقَّّ منه إلا بقايا أجزاء يلتقط إلى جانبها السياح والزائرون الصور لتبقى ذكرى لحقبة تاريخية انقضت، بالإضافة إلى بيع العديد من الشظايا والأحجار التي يقال إنها جمعت من الجدار المنهار أو ربما صنعت في تايوان في احد المصانع الشعبية التي تسعى إلى الربح!! وعند موقع الجدار أمطرنا المرشد السياحي بالأسئلة والاستفسارات عن التاريخ وأهم القصص والراويات الحقيقية والمزيفة عن الناس الذين هربوا من جحيم الجدار، وأين هم الآن، وكم عددهم، وهل عملت لهم التماثيل والتذكارات.. وبكل برود وبعد أن أخبرنا باختصار عن بعض الأحداث؛ أوضح لنا أن الجدار الذي بني في عام 1961 وكل ما يرتبط به سقط من الذاكرة عندهم منذ زمن طويل، وبالتحديد بعد عام 1989، فهو أصبح في عداد الماضي ولا يبدو أن أحداً مهتم به بشغف وبتفاصيله إلا السياح وخصوصا من الشرق الأوسط والصين!!
عند الجدار، تذكرت للمرة الأولى حكاية (بائعة الكبريت) وتمثلت الفتاه عندي في المواطن العربي من الخليج إلى المحيط، الذي يشعل في كل سنة عوداً لكي يتدفأ به ويحلم، وبدل ترجمة الأحلام وتحقيقها له نقوم ببناء الجدران وتمكينها لكي لا يصل إليها، أحلام تجاوزت 1400 سنة غاب معها دورنا وإنجازاتنا وتجاوز الزمن كل ما طرحناه وقدمناه، فأصبحنا خارج التاريخ وعالة على الجغرافيا.. ونصر مع ذلك على أن لدينا الكثير لنقدمه!!. عدت بعدها إلى العالم العربي في زيارة لبعض الدول العربية لأشهد صراع الأخ مع أخيه من أجل مباراة في كرة القدم في مصر والجزائر، وأدخل مناقشات دموية حول توريث الأبناء في الجمهوريات العربية، وأجد المنع ومصادرة العلم والفكر والثقافة والرأي في معارض الكتاب التي قطعت الأميال للوصول إليها في الخليج العربي وبلاد الشام في الكويت وسوريا.
مجرد زيارة لكثير من البلدان العربية ستكتشف من خلالها مدى ما وصلنا إليه من تراجع خطير من خلال الحديث مع رجل الشارع إلى أكبر مسئول، فالحريات مخنوقة والديمقراطية محبوسة ومكبلة بالسلاسل والقيود، والمجتمع المدني غائب ومهمش ومعزول، وطغيان السلطات التنفيذية في مواجهة المؤسسات التشريعية والقضائية. البرلمان والمجالس البلدية، أصبحت هيئات تمثل مصالح فئات معينة ومحددة سلفا، ولا تجد من يدافع ويمثل المواطن، والصراعات لا تهدأ بين التيارات والجماعات والفتاوى الدينية بين السنة والشيعة، وتعزيز مشروع القبلية والطائفية والفئوية والولاء السياسي يتقدم ويسيطر ويتراجع مشروع بناء الدولة والتمسك بالدستور والولاء للوطن، ومكانة الفرد وحقوقه ودوره الاجتماعي كلها تحدد من خلال انتمائه العرقي أو الديني أو القبلي أو النوع الاجتماعي (الجنس) وليس على وفق ما يحمله الفرد من كفاءة ومؤهلات وخبرات؟!
جدران كثيرة وحواجز عديدة تبنى وتشيد وترتفع في السماء تفرق بيننا وتفصلنا عن بعضنا البعض وتخلق العداوات والمشاحنات والأحقاد، انقسام سياسي على الحدود يمنعنا من توقيع اتفاقيات مستقبلية لأبنائنا حتى في أبسط أنواعها كإصدار عملة موحدة، انهيارات في الاقتصاد وتراجع في المداخيل ولا نفتح الباب للتفكير والمراجعة، خسائر في استثمارات صناديق الأجيال ولا نفكر حتى في تمكين مبدأ الشفافية والمحاسبة، كما أن الحبس والنفي والتحديد والمنع والمصادرة هي عقيدتنا في التعامل مع البث الفضائي والأقمار الصناعية والإعلام الجديد والانترنت!! بالإضافة إلى انعدام وجود رؤية مجتمعية للتجدد، وغياب مراكز التخطيط والتنفيذ القوية وتركز السلطات كلها في يد أشخاص معدودين، وانعدام الشعور بالمسئولية وتدني الاهتمام بالإنسان، وانتشار الركود الاجتماعي والثقافي في المجتمع وغياب حراك حقيقي فاعل ومؤثر، إلى جانب الانقسام في مجتمعات تعيش في مرحلة انتقالية مُعقدة، إذ أنها تضع رِجْلاً في بيئة عربية إسلامية قبلية مذهبية محافظة وأحياناً شديدة المحافظة، ورجلاً أخرى في واقع سريع متغير ونظام عولمة فرضته الثروة ومستويات التعليم ودخول المرأة الحياة العامة على نطاق كبير؟!
لم أنتظر حتى ينتهي آخر عود في الرزنامة بل ذهبت إلى المكتبة المجاورة لبيتي في بلاد الغربة أبحث عن أخرى مماثلة، فقد أسرتني فكرة أعواد الثقاب وآمنت بأنها تجعلنا نفكر في الغد بشكل أفضل من خلال استثمار اليوم، الأمر الذي يجعلنا نتساءل في حيرة وقلق وخوف هل ستكون الرزنامة العربية 2010 أفضل، أو وضعها مماثلا، أو ستكون أسوأ؟!.. كل عام وأنتم بخير.
خــــالـــد الجــابــر
Aljaberzoon@gmail.com
2009-12-30
أجمل هدية قُدمت لي في بداية السنة الماضية 2009 كانت عبارة عن رزنامة على شكل أعواد الثقاب "أعواد الكبريت" (Matches Calendar)، رُسِمت عليها كل أيام السنة، وفي كل يوم يجب أن تقطع عوداً وتشعله أو ترميه حتى يظهر اليوم الذي بعده. والهدف الرائع من هذا التصميم هو إشعارك بأنك لا تستطيع الاحتفاظ بشيء إلى الأبد فقد ذهب اليوم وانتهت صلاحية العود، وكل ما عليك فعله أن تعي وتدرك أن اليوم الذي تعيشه مميز ويجب أن تستفيد من كل لحظة فيه وعند انتهائه يصبح جزءاً من الذكريات، كما أنه يأخذ من عمرك وينقص منه يوماً بعد يوم، وها هي الرزنامة تقارب الانتهاء فقد بقيت فيها أعواد تعد على الأصابع وربما تكون قد احترقت كلها عند نشر هذا المقال؟!!
وأنا أكتب هذه الكلمات تراءت لي للمرة الثانية القصة القصيرة "بائعة الكبريت" (The Little Match Girl) للكاتب الدنماركي المشهور هانس كريستيان أندرسن (Hans Christian Anderson) وهي تروي حكاية فتاة يتيمة وفقيرة، تعيش على أرصفة الطرقات وتجبر على بيع علب الكبريت للناس في الشوارع، وفي ليلة رأس السنة يشتد البرد فتجلس على قارعة الطريق حاسرة الرأس حافية القدمين ولا تجد من يشتري منها ولا تستطيع التوقف والعودة دون بيع بعض الأعواد وإلا ستتعرض للضرب والمهانة، وبعد أن أعياها التعب أحست بالبرد فقررت أن تشعل عوداً من الثقاب لتتدفأ به فخيل لها أنها في البيت تجلس مع أهلها إلى جانب المدفئة، وما إن شعرت بالدفء حتى أنطفأ عود الثقاب فقررت أن تشعل عوداً آخر فأشعلته، فخيلت لها مائدة توجد عليها أشهى الأطباق وكل ما لذ وطاب، وما إن همت بتناول بالطعام حتى انطفأ عود الثقاب فحزنت وقالت لنفسها لأشعل عوداً آخر، وما إن أشعلته حتى خُيلت لها شجرة عيد الميلاد وهي محاطة بالزينة والأضواء والهدايا من حولها. وما إن شرعت تفتح الهدية حتى انطفأ العود مرة أخرى فأشعلت العود الأخير فخيلت لها جدتها العطوفة، فخاطبتها قائلة: جدتي.. جدتي.. أين أنتِ أريدك معي أنا بحاجة إليكِ. فتبتسم لها جدتها ثم ينطفئ العود الأخير، وتموت الفتاة من البرد وسط عيدان الثقاب، وكان الناس حولها يتحدثون عن الفتاة المسكينة ويحاول كل منهم أن يفسر ما حدث!!
قبل نهاية السنة أتيحت لنا الفرصة لزيارة برلين وكانت الوجهة الرئيسية بالطبع أشهر جدار في العالم، والذي احتفل العالم بمرور الذكرى العشرين لسقوطه، وهو جدار برلين الذي لم يتبقَّّ منه إلا بقايا أجزاء يلتقط إلى جانبها السياح والزائرون الصور لتبقى ذكرى لحقبة تاريخية انقضت، بالإضافة إلى بيع العديد من الشظايا والأحجار التي يقال إنها جمعت من الجدار المنهار أو ربما صنعت في تايوان في احد المصانع الشعبية التي تسعى إلى الربح!! وعند موقع الجدار أمطرنا المرشد السياحي بالأسئلة والاستفسارات عن التاريخ وأهم القصص والراويات الحقيقية والمزيفة عن الناس الذين هربوا من جحيم الجدار، وأين هم الآن، وكم عددهم، وهل عملت لهم التماثيل والتذكارات.. وبكل برود وبعد أن أخبرنا باختصار عن بعض الأحداث؛ أوضح لنا أن الجدار الذي بني في عام 1961 وكل ما يرتبط به سقط من الذاكرة عندهم منذ زمن طويل، وبالتحديد بعد عام 1989، فهو أصبح في عداد الماضي ولا يبدو أن أحداً مهتم به بشغف وبتفاصيله إلا السياح وخصوصا من الشرق الأوسط والصين!!
عند الجدار، تذكرت للمرة الأولى حكاية (بائعة الكبريت) وتمثلت الفتاه عندي في المواطن العربي من الخليج إلى المحيط، الذي يشعل في كل سنة عوداً لكي يتدفأ به ويحلم، وبدل ترجمة الأحلام وتحقيقها له نقوم ببناء الجدران وتمكينها لكي لا يصل إليها، أحلام تجاوزت 1400 سنة غاب معها دورنا وإنجازاتنا وتجاوز الزمن كل ما طرحناه وقدمناه، فأصبحنا خارج التاريخ وعالة على الجغرافيا.. ونصر مع ذلك على أن لدينا الكثير لنقدمه!!. عدت بعدها إلى العالم العربي في زيارة لبعض الدول العربية لأشهد صراع الأخ مع أخيه من أجل مباراة في كرة القدم في مصر والجزائر، وأدخل مناقشات دموية حول توريث الأبناء في الجمهوريات العربية، وأجد المنع ومصادرة العلم والفكر والثقافة والرأي في معارض الكتاب التي قطعت الأميال للوصول إليها في الخليج العربي وبلاد الشام في الكويت وسوريا.
مجرد زيارة لكثير من البلدان العربية ستكتشف من خلالها مدى ما وصلنا إليه من تراجع خطير من خلال الحديث مع رجل الشارع إلى أكبر مسئول، فالحريات مخنوقة والديمقراطية محبوسة ومكبلة بالسلاسل والقيود، والمجتمع المدني غائب ومهمش ومعزول، وطغيان السلطات التنفيذية في مواجهة المؤسسات التشريعية والقضائية. البرلمان والمجالس البلدية، أصبحت هيئات تمثل مصالح فئات معينة ومحددة سلفا، ولا تجد من يدافع ويمثل المواطن، والصراعات لا تهدأ بين التيارات والجماعات والفتاوى الدينية بين السنة والشيعة، وتعزيز مشروع القبلية والطائفية والفئوية والولاء السياسي يتقدم ويسيطر ويتراجع مشروع بناء الدولة والتمسك بالدستور والولاء للوطن، ومكانة الفرد وحقوقه ودوره الاجتماعي كلها تحدد من خلال انتمائه العرقي أو الديني أو القبلي أو النوع الاجتماعي (الجنس) وليس على وفق ما يحمله الفرد من كفاءة ومؤهلات وخبرات؟!
جدران كثيرة وحواجز عديدة تبنى وتشيد وترتفع في السماء تفرق بيننا وتفصلنا عن بعضنا البعض وتخلق العداوات والمشاحنات والأحقاد، انقسام سياسي على الحدود يمنعنا من توقيع اتفاقيات مستقبلية لأبنائنا حتى في أبسط أنواعها كإصدار عملة موحدة، انهيارات في الاقتصاد وتراجع في المداخيل ولا نفتح الباب للتفكير والمراجعة، خسائر في استثمارات صناديق الأجيال ولا نفكر حتى في تمكين مبدأ الشفافية والمحاسبة، كما أن الحبس والنفي والتحديد والمنع والمصادرة هي عقيدتنا في التعامل مع البث الفضائي والأقمار الصناعية والإعلام الجديد والانترنت!! بالإضافة إلى انعدام وجود رؤية مجتمعية للتجدد، وغياب مراكز التخطيط والتنفيذ القوية وتركز السلطات كلها في يد أشخاص معدودين، وانعدام الشعور بالمسئولية وتدني الاهتمام بالإنسان، وانتشار الركود الاجتماعي والثقافي في المجتمع وغياب حراك حقيقي فاعل ومؤثر، إلى جانب الانقسام في مجتمعات تعيش في مرحلة انتقالية مُعقدة، إذ أنها تضع رِجْلاً في بيئة عربية إسلامية قبلية مذهبية محافظة وأحياناً شديدة المحافظة، ورجلاً أخرى في واقع سريع متغير ونظام عولمة فرضته الثروة ومستويات التعليم ودخول المرأة الحياة العامة على نطاق كبير؟!
لم أنتظر حتى ينتهي آخر عود في الرزنامة بل ذهبت إلى المكتبة المجاورة لبيتي في بلاد الغربة أبحث عن أخرى مماثلة، فقد أسرتني فكرة أعواد الثقاب وآمنت بأنها تجعلنا نفكر في الغد بشكل أفضل من خلال استثمار اليوم، الأمر الذي يجعلنا نتساءل في حيرة وقلق وخوف هل ستكون الرزنامة العربية 2010 أفضل، أو وضعها مماثلا، أو ستكون أسوأ؟!.. كل عام وأنتم بخير.
خــــالـــد الجــابــر
Aljaberzoon@gmail.com
الأربعاء، 23 ديسمبر 2009
نداء إلى وزير التعليم.. اتجه شرقا
التعليم لا يزال يراوح مكانه ولا ينتج مخرجات تعليمية عالية الكفاءة
الانفتاح على التجربة الآسيوية يتمثل في افتتاح مدارس علمية مشتركة في قطر
نقترح عقد شراكة قطرية ـ آسيوية مع الهند واليابان فى مجال التعليم
المجتمعات تُهزَم بنوعين من الأفكار: (القاتلة) و(الميتة)
نشر بتاريخ 23-12-2009
هل هناك صراع في المجتمع يحتل فيه التعليم الزاوية الأساسية؟ بالتأكيد.. نعم! فها نحن على أعتاب دخول العام القادم الذي نكمل فيه عشر سنوات عجاف من عمر الألفية في ظل الإشكاليات والتحديات التي تطرح نفسها في كل يوم، وفي ظل عدم حسمنا لكثير من الأمور المرتبطة بالماضي والحاضر والمستقبل، التي تحدد مصير مجتمعنا!، كما يكمل نظامنا التعليمي الذي بدأت حركة التغيير فيه (أو التجريب فيه، فلن نختلف كثيرا على التسمية)، عامه الثامن بعد أن انطلق في بداية 2002 بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم وتعيين اختصاصاته كجهة مستقلة، وانتهى بعودته إلى وزارة التعليم ودمجه فيها 2009م. فهل نستطيع أن نؤكد اليوم أن التعليم لا يزال يراوح مكانه ولا ينتج مخرجات تعليمية عالية الكفاءة، لا على المستوى العلمي والأكاديمي، ولا حتى في الوفاء بمتطلبات القبول في أي جامعة بالداخل قبل الخارج، ولا يسهم حتى في النجاح بسوق العمل، لا على المستوى المحلي ولا الدولي؟!
أين يكمن الخلل، وأين هي العلة، وما الذي ينقصنا؟ فالنسبة السكانية المحدودة والإمكانات والموارد المادية الكبيرة لدينا مقارنة بعدد السكان تعد أفضل من أمريكا واليابان وكل أوروبا، والاستقطاب والاستعانة بالخبراء والأجانب هي الأعلى في العالم، وبناء المدارس والمعاهد التعليمية وضخ الميزانيات الحكومية فيها بالمليارات لا تقارن بها غيرها، الأمر الذي يجب أن يجعل تجربتنا في قطر هي الأفضل، ويحولها إلى النموذج الأمثل في التقدم والنجاح والتطور، خصوصا في مستويات الانجازات والنتائج، إلا أن الأمر عكس ذلك تماما، فنتائج الاختبارات المحلية والإقليمية والدولية ومنها النتائج الأخيرة التي أعلن عنها خلال السنة، والسنة الماضية وما قبلها وربما بعدها بسنوات قادمة، تبين أننا نقبع في مؤخرة الركب وبالتحديد في المرتبة قبل الأخيرة عند مقارنتنا مع كل الدول العربية الشقيقة من المحيط الخاثر إلى الخليج العاثر؟!
هل استنفدت الرؤية التي قدمت لإصلاح منظومة التعليم في قطر خياراتها الأخيرة ولم تعد قادرة على تقديم المزيد؟ فالخيارت التي قُدمت تراوحت بين قبول ورفض النموذج المركزي المعدل، و كان هو الخيار الأول الذي طرح على الطاولة، ومن الملاحظ أننا نعود رويدا رويدا إلى هذا الخيار المرفوض بعد التطورات الأخيرة في منظومة التعليم لمرحلة جديدة وفقدان مبدأ الاستقلالية!. أما نظام العقد المدرسي فحدث ولا حرج عن الأنظمة واللوائح والآليات وسياسة التجريب والخطأ في المبادرة ابتداءً من المسؤولين في المجلس الأعلى للتعليم إلى المسؤولين في المدارس المستقلة، مرورا بالمناهج وتدريسها والقائمين عليها وليس انتهاء بمجلس الأمناء ودوره في محاسبة ومتابعة أداء المدرسة وتقييم نتائجها ونتائج الطلبة ليقارنها بنتائج الأعوام السابقة، ويحاسب المدرسة بناء على ذلك ويحاسب نفسه أيضا، ويوما بعد يوم نكتشف أن (الخرق اكبر من الرقعة)؟! أما الخيار الثالث المتمثل في نظام الكوبونات التعليمية فهو أشبه بنادي امتياز خاص، لا نعرف الكثير عنه ولا عن أعضائه ولا عن مدى نجاحه ولا كيف نقيمه؟!
هل هناك خيارات أخرى لم تطرح بعد، وهل المشكلة تكمن في طرح الأفكارفقط دون تنفيذها وتحويلها الى واقع ملموس ومعاش وناجح على الأرض؟. فالأفكار مرمية على قارعة الطريق كما يقول الجاحظ، ما هو الخيار الرابع أريد أن أعترف بداية أنني لم أجد لوصف الفكرة التي أتحدث عنها ـ وأتمنى من الآخرين أن يشاركوا فيها ـ عبارة أفضل من مصطلح الخيار الرابع. والخيار الرابع هو خيار عمليٌ وليس نظرياً، تطبيقيٌ وليس تلقينياً، واقعيٌ وليس متخيلاً، الخيار الرابع هو أن نتجه شرقا وننفتح على التجارب العملية الناجحة في المنظومة التعليمية الآسيوية وننقل المبادرة التي ولدت في أجواء البرودة الغربية على ايدي راند إلى أحضان الشمس الدافئة الشرقية في الهند وكوريا الجنوبية واليابان، وأن نتبنى النموذج الآسيوي التعليمي الناجح في هذه الدول وغيرها، وهو النموذج الذي يهتم بصورة فعّالة بإكساب المهارات وتعزيز القدرات الأساسية، ويقوم على التطوير النوعي للتربية العلمية، ويضع الثقافة الحديثة المتطورة نصب عينيه، ويشارك بدور كبير في عمليات التنمية من خلال بناء الإنسان الواعي المبدع والملتزم بالعمل والأخلاق.
هذا نداء أوجهه لوزير التعليم والتعليم العالي، أدعوه فيه اليوم إلى أن يترك بصمة مميزة يذكرها له المجتمع بالخير، وأن يكون هو السباق في تبني مبادرة الانفتاح على المنظومة التعليمية الشرقية من أوسع أبوابها، عله يدرس تجربة المنظومة التعليمية الهندية من الداخل، التي أخذ سحر نجاحها المميز ينتشر ويعم في العالم، الأمر الذي جعل اليابان تحسد الهند، وقد تطرقت إلى ذلك في مقالاتي السابقة، وأن يطلع على تجربة تدريس المناهج في كوريا الجنوبية وآثارها الايجابية بعيدة المدى، التي لا تقيم وزناً كبيراً للاختبارات، بل تجعل اهتمامها مُنصباً على امتلاك طلابها للمعلومات والمهارات والمفاهيم الأساسية، ولو تَطَلَّب الأمر أن يستمر المدرسون مع الطلاب إلى ساعات متأخرة من الليل حتى تتأكد المفاهيم، وترسخ المهارات، وتنمو المعارف، يمكن أن نستفيد من تايوان التي بدأت مشاريع تعليمية رائدة، أهمها إنشاء ما سمي بكليات المجتمع تحت شعار "تعليم مدى الحياة" وهدفها تقديم برامج تعليمية مرنة من ناحيتي المكان والزمان، كما أنها توفر تلقي الكورسات المقررة من خلال الراديو والتلفزيون والانترنت، ويتجاوز عددها اليوم 87 فرعا منتشرا في كل أقاليم البلاد، وتتولى إدارتها مؤسسات لا تسعى إلى الربحية، علما بأن أولها افتتح في عام 1998 وبعدد من الطلاب والطالبات لا يتجاوز الثلاثة الآلاف، ليرتفع العدد اليوم إلى أكثر من 250 ألف طالب وطالبة (وهو عدد سكان قطر من المواطنين)، بالإضافة إلى التجارب العديدة المميزة في هونغ كونغ وماليزيا وسنغافورة وخصوصا في مجال البرامج الداعمة الهادفة لإنشاء بنية أساسية متينة للبحث العلمي من مختبرات علمية وتجهيزات لوجستية وتنمية بشرية.
إن الانفتاح على التجربة الآسيوية يتمثل في افتتاح مدارس علمية مشتركة في قطر، ولتكن لدينا قناعة بتحقيق خطوة أولى، مرحلية، ونقوم بعقد شراكة قطرية ـ آسيوية مع الهند، واليابان، وتايوان على سبيل المثال، من خلالها نقوم بإنشاء 3 مدارس تستلهم أبرز 3 نماذج متميزة ناجحة ورائدة في المدارس الآسيوية في البلاد المذكورة، وتقوم عليها قيادات حصلت على دورات تدريبية، واستفادت من تجارب المسؤولين والمختصين في هذه المدارس في بلادها الأصلية، لكي يتم تطبيقها في المدارس التي أنشئت في قطر، بالإضافة إلى إرسال المؤهلين من القيادات التعليمية والتربوية وأعضاء هيئة التدريس للحصول على الدورات التدريبية، والمشاركة في ورش العمل والندوات والمؤتمرات في الدول الآسيوية، عوضا عن الدول العربية والأوروبية التي لا تقدم أي جديد، كما يتم تشجيع الطلبة وأولياء أمورهم على الإقبال على الابتعاث والدراسة في بعض الدول الآسيوية الرائدة من خلال تقديم المنح والامتيازات والحوافز..
هذه مجرد أفكار يؤخذ منها ويرد، والأفكار كما بيّنا على قارعة الطريق، ومن المهم أن نعلم جميعا أن مبادرتنا "تعليم لمرحلة جديدة" بحاجة إلى أن تغربل وتنعش وتجدد ويعاد إحياء الأمل فيها من جديد، وتفتح النوافذ بها والأبواب لدخول الشمس والهواء ولا أرى خيارات في خفض حالة الانبعاث المسببة للاحتباس الحراري والأجواء التعليمية المتردية في مجتمعنا خيرا من الانفتاح على التجربة الشرقية، يرى المفكر الجزائري الراحل، مالك بن نبي، أن المجتمعات تهزم بنوعين من الأفكار: (القاتلة) و(الميتة). فأما (القاتلة) فهي المستوردة من الخارج، وليس العيب في استيرادها من الخارج ولكن الإشكالية أنها لا تناسب البيئة المستوردة التي تتحرك فيها، فهي فكرة فقدت شخصيتها وقيمتها الثقافية بعد أن فقدت جذورها التي ظلت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي، أما الأفكار (الميتة) فهي تلك الأفكار التي انتهت صلاحيتها ولم تعد قادرة على الحركة والعطاء، فهي فكرة خذلت أصولها وانحرفت عن نموذجها المثالي ولم يعد لها جذور في محيط ثقافتها الأصلي، فإذا عددنا المدارس الحكومية جزءاً من الأفكار الميتة، هل تصبح المدارس المستقلة جزء من الأفكار القاتلة؟؟!! الحوار يبدأ هنا ولا ينتهي؟!
Aljaberzoon@gmail.com
الانفتاح على التجربة الآسيوية يتمثل في افتتاح مدارس علمية مشتركة في قطر
نقترح عقد شراكة قطرية ـ آسيوية مع الهند واليابان فى مجال التعليم
المجتمعات تُهزَم بنوعين من الأفكار: (القاتلة) و(الميتة)
نشر بتاريخ 23-12-2009
هل هناك صراع في المجتمع يحتل فيه التعليم الزاوية الأساسية؟ بالتأكيد.. نعم! فها نحن على أعتاب دخول العام القادم الذي نكمل فيه عشر سنوات عجاف من عمر الألفية في ظل الإشكاليات والتحديات التي تطرح نفسها في كل يوم، وفي ظل عدم حسمنا لكثير من الأمور المرتبطة بالماضي والحاضر والمستقبل، التي تحدد مصير مجتمعنا!، كما يكمل نظامنا التعليمي الذي بدأت حركة التغيير فيه (أو التجريب فيه، فلن نختلف كثيرا على التسمية)، عامه الثامن بعد أن انطلق في بداية 2002 بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم وتعيين اختصاصاته كجهة مستقلة، وانتهى بعودته إلى وزارة التعليم ودمجه فيها 2009م. فهل نستطيع أن نؤكد اليوم أن التعليم لا يزال يراوح مكانه ولا ينتج مخرجات تعليمية عالية الكفاءة، لا على المستوى العلمي والأكاديمي، ولا حتى في الوفاء بمتطلبات القبول في أي جامعة بالداخل قبل الخارج، ولا يسهم حتى في النجاح بسوق العمل، لا على المستوى المحلي ولا الدولي؟!
أين يكمن الخلل، وأين هي العلة، وما الذي ينقصنا؟ فالنسبة السكانية المحدودة والإمكانات والموارد المادية الكبيرة لدينا مقارنة بعدد السكان تعد أفضل من أمريكا واليابان وكل أوروبا، والاستقطاب والاستعانة بالخبراء والأجانب هي الأعلى في العالم، وبناء المدارس والمعاهد التعليمية وضخ الميزانيات الحكومية فيها بالمليارات لا تقارن بها غيرها، الأمر الذي يجب أن يجعل تجربتنا في قطر هي الأفضل، ويحولها إلى النموذج الأمثل في التقدم والنجاح والتطور، خصوصا في مستويات الانجازات والنتائج، إلا أن الأمر عكس ذلك تماما، فنتائج الاختبارات المحلية والإقليمية والدولية ومنها النتائج الأخيرة التي أعلن عنها خلال السنة، والسنة الماضية وما قبلها وربما بعدها بسنوات قادمة، تبين أننا نقبع في مؤخرة الركب وبالتحديد في المرتبة قبل الأخيرة عند مقارنتنا مع كل الدول العربية الشقيقة من المحيط الخاثر إلى الخليج العاثر؟!
هل استنفدت الرؤية التي قدمت لإصلاح منظومة التعليم في قطر خياراتها الأخيرة ولم تعد قادرة على تقديم المزيد؟ فالخيارت التي قُدمت تراوحت بين قبول ورفض النموذج المركزي المعدل، و كان هو الخيار الأول الذي طرح على الطاولة، ومن الملاحظ أننا نعود رويدا رويدا إلى هذا الخيار المرفوض بعد التطورات الأخيرة في منظومة التعليم لمرحلة جديدة وفقدان مبدأ الاستقلالية!. أما نظام العقد المدرسي فحدث ولا حرج عن الأنظمة واللوائح والآليات وسياسة التجريب والخطأ في المبادرة ابتداءً من المسؤولين في المجلس الأعلى للتعليم إلى المسؤولين في المدارس المستقلة، مرورا بالمناهج وتدريسها والقائمين عليها وليس انتهاء بمجلس الأمناء ودوره في محاسبة ومتابعة أداء المدرسة وتقييم نتائجها ونتائج الطلبة ليقارنها بنتائج الأعوام السابقة، ويحاسب المدرسة بناء على ذلك ويحاسب نفسه أيضا، ويوما بعد يوم نكتشف أن (الخرق اكبر من الرقعة)؟! أما الخيار الثالث المتمثل في نظام الكوبونات التعليمية فهو أشبه بنادي امتياز خاص، لا نعرف الكثير عنه ولا عن أعضائه ولا عن مدى نجاحه ولا كيف نقيمه؟!
هل هناك خيارات أخرى لم تطرح بعد، وهل المشكلة تكمن في طرح الأفكارفقط دون تنفيذها وتحويلها الى واقع ملموس ومعاش وناجح على الأرض؟. فالأفكار مرمية على قارعة الطريق كما يقول الجاحظ، ما هو الخيار الرابع أريد أن أعترف بداية أنني لم أجد لوصف الفكرة التي أتحدث عنها ـ وأتمنى من الآخرين أن يشاركوا فيها ـ عبارة أفضل من مصطلح الخيار الرابع. والخيار الرابع هو خيار عمليٌ وليس نظرياً، تطبيقيٌ وليس تلقينياً، واقعيٌ وليس متخيلاً، الخيار الرابع هو أن نتجه شرقا وننفتح على التجارب العملية الناجحة في المنظومة التعليمية الآسيوية وننقل المبادرة التي ولدت في أجواء البرودة الغربية على ايدي راند إلى أحضان الشمس الدافئة الشرقية في الهند وكوريا الجنوبية واليابان، وأن نتبنى النموذج الآسيوي التعليمي الناجح في هذه الدول وغيرها، وهو النموذج الذي يهتم بصورة فعّالة بإكساب المهارات وتعزيز القدرات الأساسية، ويقوم على التطوير النوعي للتربية العلمية، ويضع الثقافة الحديثة المتطورة نصب عينيه، ويشارك بدور كبير في عمليات التنمية من خلال بناء الإنسان الواعي المبدع والملتزم بالعمل والأخلاق.
هذا نداء أوجهه لوزير التعليم والتعليم العالي، أدعوه فيه اليوم إلى أن يترك بصمة مميزة يذكرها له المجتمع بالخير، وأن يكون هو السباق في تبني مبادرة الانفتاح على المنظومة التعليمية الشرقية من أوسع أبوابها، عله يدرس تجربة المنظومة التعليمية الهندية من الداخل، التي أخذ سحر نجاحها المميز ينتشر ويعم في العالم، الأمر الذي جعل اليابان تحسد الهند، وقد تطرقت إلى ذلك في مقالاتي السابقة، وأن يطلع على تجربة تدريس المناهج في كوريا الجنوبية وآثارها الايجابية بعيدة المدى، التي لا تقيم وزناً كبيراً للاختبارات، بل تجعل اهتمامها مُنصباً على امتلاك طلابها للمعلومات والمهارات والمفاهيم الأساسية، ولو تَطَلَّب الأمر أن يستمر المدرسون مع الطلاب إلى ساعات متأخرة من الليل حتى تتأكد المفاهيم، وترسخ المهارات، وتنمو المعارف، يمكن أن نستفيد من تايوان التي بدأت مشاريع تعليمية رائدة، أهمها إنشاء ما سمي بكليات المجتمع تحت شعار "تعليم مدى الحياة" وهدفها تقديم برامج تعليمية مرنة من ناحيتي المكان والزمان، كما أنها توفر تلقي الكورسات المقررة من خلال الراديو والتلفزيون والانترنت، ويتجاوز عددها اليوم 87 فرعا منتشرا في كل أقاليم البلاد، وتتولى إدارتها مؤسسات لا تسعى إلى الربحية، علما بأن أولها افتتح في عام 1998 وبعدد من الطلاب والطالبات لا يتجاوز الثلاثة الآلاف، ليرتفع العدد اليوم إلى أكثر من 250 ألف طالب وطالبة (وهو عدد سكان قطر من المواطنين)، بالإضافة إلى التجارب العديدة المميزة في هونغ كونغ وماليزيا وسنغافورة وخصوصا في مجال البرامج الداعمة الهادفة لإنشاء بنية أساسية متينة للبحث العلمي من مختبرات علمية وتجهيزات لوجستية وتنمية بشرية.
إن الانفتاح على التجربة الآسيوية يتمثل في افتتاح مدارس علمية مشتركة في قطر، ولتكن لدينا قناعة بتحقيق خطوة أولى، مرحلية، ونقوم بعقد شراكة قطرية ـ آسيوية مع الهند، واليابان، وتايوان على سبيل المثال، من خلالها نقوم بإنشاء 3 مدارس تستلهم أبرز 3 نماذج متميزة ناجحة ورائدة في المدارس الآسيوية في البلاد المذكورة، وتقوم عليها قيادات حصلت على دورات تدريبية، واستفادت من تجارب المسؤولين والمختصين في هذه المدارس في بلادها الأصلية، لكي يتم تطبيقها في المدارس التي أنشئت في قطر، بالإضافة إلى إرسال المؤهلين من القيادات التعليمية والتربوية وأعضاء هيئة التدريس للحصول على الدورات التدريبية، والمشاركة في ورش العمل والندوات والمؤتمرات في الدول الآسيوية، عوضا عن الدول العربية والأوروبية التي لا تقدم أي جديد، كما يتم تشجيع الطلبة وأولياء أمورهم على الإقبال على الابتعاث والدراسة في بعض الدول الآسيوية الرائدة من خلال تقديم المنح والامتيازات والحوافز..
هذه مجرد أفكار يؤخذ منها ويرد، والأفكار كما بيّنا على قارعة الطريق، ومن المهم أن نعلم جميعا أن مبادرتنا "تعليم لمرحلة جديدة" بحاجة إلى أن تغربل وتنعش وتجدد ويعاد إحياء الأمل فيها من جديد، وتفتح النوافذ بها والأبواب لدخول الشمس والهواء ولا أرى خيارات في خفض حالة الانبعاث المسببة للاحتباس الحراري والأجواء التعليمية المتردية في مجتمعنا خيرا من الانفتاح على التجربة الشرقية، يرى المفكر الجزائري الراحل، مالك بن نبي، أن المجتمعات تهزم بنوعين من الأفكار: (القاتلة) و(الميتة). فأما (القاتلة) فهي المستوردة من الخارج، وليس العيب في استيرادها من الخارج ولكن الإشكالية أنها لا تناسب البيئة المستوردة التي تتحرك فيها، فهي فكرة فقدت شخصيتها وقيمتها الثقافية بعد أن فقدت جذورها التي ظلت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي، أما الأفكار (الميتة) فهي تلك الأفكار التي انتهت صلاحيتها ولم تعد قادرة على الحركة والعطاء، فهي فكرة خذلت أصولها وانحرفت عن نموذجها المثالي ولم يعد لها جذور في محيط ثقافتها الأصلي، فإذا عددنا المدارس الحكومية جزءاً من الأفكار الميتة، هل تصبح المدارس المستقلة جزء من الأفكار القاتلة؟؟!! الحوار يبدأ هنا ولا ينتهي؟!
Aljaberzoon@gmail.com
نداء إلى وزير التعليم.. اتجه شرقا
التعليم لا يزال يراوح مكانه ولا ينتج مخرجات تعليمية عالية الكفاءة
الانفتاح على التجربة الآسيوية يتمثل في افتتاح مدارس علمية مشتركة في قطر
نقترح عقد شراكة قطرية ـ آسيوية مع الهند واليابان فى مجال التعليم
المجتمعات تُهزَم بنوعين من الأفكار: (القاتلة) و(الميتة)
نشر بتاريخ 23-12-2009
هل هناك صراع في المجتمع يحتل فيه التعليم الزاوية الأساسية؟ بالتأكيد.. نعم! فها نحن على أعتاب دخول العام القادم الذي نكمل فيه عشر سنوات عجاف من عمر الألفية في ظل الإشكاليات والتحديات التي تطرح نفسها في كل يوم، وفي ظل عدم حسمنا لكثير من الأمور المرتبطة بالماضي والحاضر والمستقبل، التي تحدد مصير مجتمعنا!، كما يكمل نظامنا التعليمي الذي بدأت حركة التغيير فيه (أو التجريب فيه، فلن نختلف كثيرا على التسمية)، عامه الثامن بعد أن انطلق في بداية 2002 بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم وتعيين اختصاصاته كجهة مستقلة، وانتهى بعودته إلى وزارة التعليم ودمجه فيها 2009م. فهل نستطيع أن نؤكد اليوم أن التعليم لا يزال يراوح مكانه ولا ينتج مخرجات تعليمية عالية الكفاءة، لا على المستوى العلمي والأكاديمي، ولا حتى في الوفاء بمتطلبات القبول في أي جامعة بالداخل قبل الخارج، ولا يسهم حتى في النجاح بسوق العمل، لا على المستوى المحلي ولا الدولي؟!
أين يكمن الخلل، وأين هي العلة، وما الذي ينقصنا؟ فالنسبة السكانية المحدودة والإمكانات والموارد المادية الكبيرة لدينا مقارنة بعدد السكان تعد أفضل من أمريكا واليابان وكل أوروبا، والاستقطاب والاستعانة بالخبراء والأجانب هي الأعلى في العالم، وبناء المدارس والمعاهد التعليمية وضخ الميزانيات الحكومية فيها بالمليارات لا تقارن بها غيرها، الأمر الذي يجب أن يجعل تجربتنا في قطر هي الأفضل، ويحولها إلى النموذج الأمثل في التقدم والنجاح والتطور، خصوصا في مستويات الانجازات والنتائج، إلا أن الأمر عكس ذلك تماما، فنتائج الاختبارات المحلية والإقليمية والدولية ومنها النتائج الأخيرة التي أعلن عنها خلال السنة، والسنة الماضية وما قبلها وربما بعدها بسنوات قادمة، تبين أننا نقبع في مؤخرة الركب وبالتحديد في المرتبة قبل الأخيرة عند مقارنتنا مع كل الدول العربية الشقيقة من المحيط الخاثر إلى الخليج العاثر؟!
هل استنفدت الرؤية التي قدمت لإصلاح منظومة التعليم في قطر خياراتها الأخيرة ولم تعد قادرة على تقديم المزيد؟ فالخيارت التي قُدمت تراوحت بين قبول ورفض النموذج المركزي المعدل، و كان هو الخيار الأول الذي طرح على الطاولة، ومن الملاحظ أننا نعود رويدا رويدا إلى هذا الخيار المرفوض بعد التطورات الأخيرة في منظومة التعليم لمرحلة جديدة وفقدان مبدأ الاستقلالية!. أما نظام العقد المدرسي فحدث ولا حرج عن الأنظمة واللوائح والآليات وسياسة التجريب والخطأ في المبادرة ابتداءً من المسؤولين في المجلس الأعلى للتعليم إلى المسؤولين في المدارس المستقلة، مرورا بالمناهج وتدريسها والقائمين عليها وليس انتهاء بمجلس الأمناء ودوره في محاسبة ومتابعة أداء المدرسة وتقييم نتائجها ونتائج الطلبة ليقارنها بنتائج الأعوام السابقة، ويحاسب المدرسة بناء على ذلك ويحاسب نفسه أيضا، ويوما بعد يوم نكتشف أن (الخرق اكبر من الرقعة)؟! أما الخيار الثالث المتمثل في نظام الكوبونات التعليمية فهو أشبه بنادي امتياز خاص، لا نعرف الكثير عنه ولا عن أعضائه ولا عن مدى نجاحه ولا كيف نقيمه؟!
هل هناك خيارات أخرى لم تطرح بعد، وهل المشكلة تكمن في طرح الأفكارفقط دون تنفيذها وتحويلها الى واقع ملموس ومعاش وناجح على الأرض؟. فالأفكار مرمية على قارعة الطريق كما يقول الجاحظ، ما هو الخيار الرابع أريد أن أعترف بداية أنني لم أجد لوصف الفكرة التي أتحدث عنها ـ وأتمنى من الآخرين أن يشاركوا فيها ـ عبارة أفضل من مصطلح الخيار الرابع. والخيار الرابع هو خيار عمليٌ وليس نظرياً، تطبيقيٌ وليس تلقينياً، واقعيٌ وليس متخيلاً، الخيار الرابع هو أن نتجه شرقا وننفتح على التجارب العملية الناجحة في المنظومة التعليمية الآسيوية وننقل المبادرة التي ولدت في أجواء البرودة الغربية على ايدي راند إلى أحضان الشمس الدافئة الشرقية في الهند وكوريا الجنوبية واليابان، وأن نتبنى النموذج الآسيوي التعليمي الناجح في هذه الدول وغيرها، وهو النموذج الذي يهتم بصورة فعّالة بإكساب المهارات وتعزيز القدرات الأساسية، ويقوم على التطوير النوعي للتربية العلمية، ويضع الثقافة الحديثة المتطورة نصب عينيه، ويشارك بدور كبير في عمليات التنمية من خلال بناء الإنسان الواعي المبدع والملتزم بالعمل والأخلاق.
هذا نداء أوجهه لوزير التعليم والتعليم العالي، أدعوه فيه اليوم إلى أن يترك بصمة مميزة يذكرها له المجتمع بالخير، وأن يكون هو السباق في تبني مبادرة الانفتاح على المنظومة التعليمية الشرقية من أوسع أبوابها، عله يدرس تجربة المنظومة التعليمية الهندية من الداخل، التي أخذ سحر نجاحها المميز ينتشر ويعم في العالم، الأمر الذي جعل اليابان تحسد الهند، وقد تطرقت إلى ذلك في مقالاتي السابقة، وأن يطلع على تجربة تدريس المناهج في كوريا الجنوبية وآثارها الايجابية بعيدة المدى، التي لا تقيم وزناً كبيراً للاختبارات، بل تجعل اهتمامها مُنصباً على امتلاك طلابها للمعلومات والمهارات والمفاهيم الأساسية، ولو تَطَلَّب الأمر أن يستمر المدرسون مع الطلاب إلى ساعات متأخرة من الليل حتى تتأكد المفاهيم، وترسخ المهارات، وتنمو المعارف، يمكن أن نستفيد من تايوان التي بدأت مشاريع تعليمية رائدة، أهمها إنشاء ما سمي بكليات المجتمع تحت شعار "تعليم مدى الحياة" وهدفها تقديم برامج تعليمية مرنة من ناحيتي المكان والزمان، كما أنها توفر تلقي الكورسات المقررة من خلال الراديو والتلفزيون والانترنت، ويتجاوز عددها اليوم 87 فرعا منتشرا في كل أقاليم البلاد، وتتولى إدارتها مؤسسات لا تسعى إلى الربحية، علما بأن أولها افتتح في عام 1998 وبعدد من الطلاب والطالبات لا يتجاوز الثلاثة الآلاف، ليرتفع العدد اليوم إلى أكثر من 250 ألف طالب وطالبة (وهو عدد سكان قطر من المواطنين)، بالإضافة إلى التجارب العديدة المميزة في هونغ كونغ وماليزيا وسنغافورة وخصوصا في مجال البرامج الداعمة الهادفة لإنشاء بنية أساسية متينة للبحث العلمي من مختبرات علمية وتجهيزات لوجستية وتنمية بشرية.
إن الانفتاح على التجربة الآسيوية يتمثل في افتتاح مدارس علمية مشتركة في قطر، ولتكن لدينا قناعة بتحقيق خطوة أولى، مرحلية، ونقوم بعقد شراكة قطرية ـ آسيوية مع الهند، واليابان، وتايوان على سبيل المثال، من خلالها نقوم بإنشاء 3 مدارس تستلهم أبرز 3 نماذج متميزة ناجحة ورائدة في المدارس الآسيوية في البلاد المذكورة، وتقوم عليها قيادات حصلت على دورات تدريبية، واستفادت من تجارب المسؤولين والمختصين في هذه المدارس في بلادها الأصلية، لكي يتم تطبيقها في المدارس التي أنشئت في قطر، بالإضافة إلى إرسال المؤهلين من القيادات التعليمية والتربوية وأعضاء هيئة التدريس للحصول على الدورات التدريبية، والمشاركة في ورش العمل والندوات والمؤتمرات في الدول الآسيوية، عوضا عن الدول العربية والأوروبية التي لا تقدم أي جديد، كما يتم تشجيع الطلبة وأولياء أمورهم على الإقبال على الابتعاث والدراسة في بعض الدول الآسيوية الرائدة من خلال تقديم المنح والامتيازات والحوافز..
هذه مجرد أفكار يؤخذ منها ويرد، والأفكار كما بيّنا على قارعة الطريق، ومن المهم أن نعلم جميعا أن مبادرتنا "تعليم لمرحلة جديدة" بحاجة إلى أن تغربل وتنعش وتجدد ويعاد إحياء الأمل فيها من جديد، وتفتح النوافذ بها والأبواب لدخول الشمس والهواء ولا أرى خيارات في خفض حالة الانبعاث المسببة للاحتباس الحراري والأجواء التعليمية المتردية في مجتمعنا خيرا من الانفتاح على التجربة الشرقية، يرى المفكر الجزائري الراحل، مالك بن نبي، أن المجتمعات تهزم بنوعين من الأفكار: (القاتلة) و(الميتة). فأما (القاتلة) فهي المستوردة من الخارج، وليس العيب في استيرادها من الخارج ولكن الإشكالية أنها لا تناسب البيئة المستوردة التي تتحرك فيها، فهي فكرة فقدت شخصيتها وقيمتها الثقافية بعد أن فقدت جذورها التي ظلت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي، أما الأفكار (الميتة) فهي تلك الأفكار التي انتهت صلاحيتها ولم تعد قادرة على الحركة والعطاء، فهي فكرة خذلت أصولها وانحرفت عن نموذجها المثالي ولم يعد لها جذور في محيط ثقافتها الأصلي، فإذا عددنا المدارس الحكومية جزءاً من الأفكار الميتة، هل تصبح المدارس المستقلة جزء من الأفكار القاتلة؟؟!! الحوار يبدأ هنا ولا ينتهي؟!
Aljaberzoon@gmail.com
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)